رفع اليدين

فيتعيَّن المصيرُ إليه، والنقلُ عن غيره ــ إن كان نقلًا مصدَّقًا ــ فعن قائل غير معصوم، ومن الممكن بل الواقع أن ينسى الراوي ــ صحابيًّا كان أو دونه ــ ما سمعه وشاهده من النبي ﷺ ولا يحضره ذكره حين أفتى بخلافه، أو أن يتأول فيه تأويلًا لا يألو فيه عن الخير وقصد الحق، ويثيبه الله على ذلك، ويأْجُره عليه أجرًا واحدًا. وإذا كان هذا ممكنًا بل واقعًا، فلا حجَّة في قول أحدٍ خالفَ نصَّ رسول الله ﷺ كائن من كان١.

وأيضًا: فمن أبطل الباطل أن يكون عند أحدهم عن النبي ﷺ سنة في قضيَّة ناسخة أو مُخصِّصة للعموم، ثم يروي للأمة المنسوخ والعام دائمًا، ولا يروي لهم الناسخ ولا المخصِّص ألبتة. هذا مما لا يُظَن بهم، ولا بمن هو دونهم ممن له لسان صِدْق في الأمة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة/ ١٥٩]. ومعلوم أن الناسخ والمخصِّص أحق بالهدى من المنسوخ والعام، فروايته وتبليغه للأمة أوجب وأفرض من رواية المنسوخ، وبالله التوفيق.

فصل

قالوا: نزلنا عن هذا المقام، وفرضنا أنا ساعدناكم ــ وحاشا لله ــ على تقديم رأي الراوي ومذهبه على ما رواه. فحديث الرفع في هذه المواطن لم يتفرَّد به مالك حتى تكون مخالفته له موجبة لعدم قبوله، فقد روى عن

  1. (١) وانظر «إعلام الموقعين»: (٤/ ٤٠٧ - ٤٠٨).
188

النبيِّ ﷺ جماعةٌ من [ق ٦٠] الصحابة غير ابن عمر، كما تقدم، حتى لو لم يكن في الباب إلا حديث ابن عمر، فقد رواه عن ابن عمر سالم ابنه ونافع مولاه، ورواه عنهما غير مالك.

قال البخاري١: «ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، ثنا الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين».

فهذا السند ــ الذي٢ لو أفاق مجنونٌ بسندٍ صحيحٍ لأفاقَ به ــ لا ذِكْر لمالكٍ فيه ألبتة، فبِمَ تستجيزون مخالفته؟ وكلُّ رواته ثبت٣ عنهم الرفع في هذه المواطن والقول به، وصنف البخاري كتابه المشهور في رفع اليدين، وحكى عن شيخه علي بن عبد الله أنه قال: رفع الأيدي حقٌ على المسلمين، بما روى الزهري، عن سالم، عن أبيه٤.

ومذهب ابن عيينة في ذلك أشهر؛ قال ابن عبدالبر٥ بعد أن ذكر رواية ابن وهب، وأبي المصعب، وسعيد بن أبي مريم، وأشهب، والوليد بن مسلم عن مالك: أنه كان يرفع يديه على حديث ابن عمر إلى أن مات= قال: وبهذا قال الأوزاعي، وسفيان بن عيينة، والشافعي، وجماعةُ أهل الحديث.

  1. (١) «رفع اليدين» (ص ٣٧). وانظر ما سلف (ص/١٢ - ١٥).
  2. (٢) سقطت من (ف).
  3. (٣) (ف): «رواية ثبتت» تحريف.
  4. (٤) «رفع اليدين» (٣٨).
  5. (٥) «التمهيد»: (٩/ ٢١٣).
189

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي