وقال مُحارب بن دِثار: رأيت ابن عمر إذا افتتح الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا قال: «سمع الله لمن حمده» رفع يديه. ذكره البخاري عن أبي النعمان عن عبدالواحد بن زياد عنه.
وقال عبيدالله عن نافع عن ابن عمر: أنه كبَّر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: «سمع الله لمن حمده» رفع يديه. ذكره البخاري عن عيَّاش٢ ابن الوليد عن عبدالأعلى.
وقال إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير: رأيتُ ابنَ عمر حين قام إلى الصلاة رفع يديه، حتى يحاذي أُذُنيه، وحين يرفع رأسه من الركوع واستوى قائمًا فعل مثل ذلك. رواه البخاري عن إبراهيم بن المنذر، عن مَعْن عنه٣.
فهذا هو الثابت عن ابن عمر، فكيف تُقَدَّم عليه روايةٌ لا تثبت؟
قال البخاري٤: قال يحيى بن معين: حديث أبي بكر عن حصين إنماهو توهُّم منه لا أصل له.
(١) «كتاب الرفع» (ص/٧٤).
(٢) مهملة النقط في الأصل، و(ف): «عباس». والتصويب من «كتاب الرفع» و«الصحيح» للبخاري.
(٣) الآثار الثلاثة في «كتاب الرفع» (ص/١٠٩ - ١١١).
(٤) «كتاب الرفع» (ص/٥٥).
يعني حديث أبي بكر بن عياش، عن حُصين، عن مجاهد، عن ابن عمر: أنه لم يرفع يديه إلا في أول مرة.
وحتى لو صحت هذه الرواية عن ابن عمر١ كانت رواية من ذكرنا عنه أولى أن يؤخَذ بها لوجوه:
أحدها: كثرة رواتها.
والثاني: تميُّزهم بالحفظ والإتقان.
والثالث: أنها متضمِّنة للإثبات فتُقَدَّم على النفي.
قالوا: ولم يكن ابن عمر لِيَرْوي عن النبي ﷺ شيئًا، ثم يعمل بخلافه مع تحرِّيه لاتِّباع سنته. وقد أعاذ الله ابنَ عمر من ذلك، فصحت الروايةُ عنه بالرفع من فعله. وصِحَّتُها عنه روايةً عن النبي ﷺ يرفعُ هذه الرواية الشاذَّة الباطلة، هذا موجب العلم والعدل والظن بالصحابة، والله أعلم.
فصل
* وأما ما رويتم عن عمر٢: أنه لم يكن يرفع يديه في شيء من الصلاة إلا حين افتتح الصلاة، فحاشا لله أن يصح ذلك عن عمر.
قال البخاري٣: ولم يثبت عند أهل العلم عن أحد من أصحاب النبي
(١) «أنه لم يرفع ... ابن عمر» سقط من (ف).
(٢) انظر ما سبق (ص/٨٣ - ٨٦)، وما سيأتي (٢٠١ - ٢٠٣).