رفع اليدين

فصل

* وأما ردُّكم لحديث الصدّيق١: بأنه لو كان صحيحًا لكان في السنن والمساند والصحاح، وكانت شهرته فوق شهرة غيره من الأحاديث.

فيقال: من العجائب ردّكم لهذا الحديث الصحيح بمثل هذا الكلام الذي لا حاصل له، واحتجاجكم بالمقطوعات والمراسيل التي بين الراوي وبين النبي ﷺ فيها مفاوز تنقطع فيها الأعناق! وقد يكون بين المرسِل وبين النبيّ ﷺ فيها أربعة أوخمسة أو أكثر، لا يُدْرَى من هم ولا تُعرف أحوالهم ألبتة٢.

حتى لو أرسل مشايخ بَلْخ وخراسان وما وراء النهر الحديثَ لقلتم: هذا مرسل، والمرسل حُجّة في أصل قولنا! ثم تجيئون إلى حديث متصل الإسناد مثل الشمس، تطعنون فيه بأنه ليس في السنن والمسانيد المعروفة، وإذا جاءت تلك المراسيل التي لا تُعرف في شيء من كتب الحديث ألبتة، ولا يَعرفها أحدٌ من المحدِّثين، وليس في الدنيا لها إسناد يُعرف= لم يضرَّها أن لا تكون في المسانيد والسنن والصحاح، ولا تُحيل طِباع أهل العلم نقلها وضبطها.

  1. (١) تقدم (ص/٨ - ٩، ١٤٦).
  2. (٢) قال السرخسي في «المبسوط»: (٢٧/ ٢٦١): «والمراسيل حجة عندنا كالمسانيد أو أقوى من المسانيد؛ لأن الراوي إذا سمع الحديث من واحد لا يشق عليه حفظ اسمه فيرويه مسندًا وإذا سمعه من جماعة يشق عليه حفظ الرواية فيرسل الحديث!».
200

ثم هذا الحديث قد ذكره الإمام أحمد، وذكره الحاكم، وذكره عبدالرزاق، وغير هؤلاء. وعُذر من لم يذكره الاستغناءُ عنه بما هو أوضح دلالةً وأقرب تناولًا وأشهر رواةً، ولا يجب على المصنّف أن يستوعب جميعَ أحاديث الباب.

فصل

* وأما ردّكم لحديث عمر بن الخطاب بأن الثابتَ عن عمر ما رواه الأسودُ عنه، قال: صليت مع عمر فلم يرفع يديه إلا في الاستفتاح١.

فقد تقدم قولُ البخاري: إنه لا يصحّ عن أحد من الصحابة ترك الرفع٢، وتقدَّمت الروايةُ الصحيحة عن عمر بالرفع٣. فإن تقاومت الروايات٤ عنه تساقطتا، وكان الأخذُ بما رواه متعينًا، وإن كانت رواية الرفع عنه أصحَّ إسنادًا فالأمر أظهر، وإن كانت رواية ترك الرفع عنه أصح إسنادًا كان غايتها أن يكون عَمِل خلاف ما رواه. وقد تقدم من أصولكم وأصول كافة الفقهاء: أن الرجوع إلى الرواية أولى من الرجوع إلى فتوى الراوي، ويتعيّنُ الرُّجوع إلى الرواية ههنا.

ولو قلنا: الأخذ بما رآه وأفتى به؛ لأن غاية ما حكاه الأسودُ عنه فِعل لا

  1. (١) تقدم (ص/١٤٦ - ١٤٧، والرد عليهم ٨٤ - ٨٦، ١٩٣ - ١٩٥).
  2. (٢) انظر (ص/٩١).
  3. (٣) (ص/١٠) والحاشية رقم (١).
  4. (٤) كذا، ولعل الصواب: «الروايتان».
201

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي