وقال البخاري١: ثنا إسماعيل بن أبي أويس، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن موسى بن عُقْبة، فذكره.
وأما معارضة هذا الحديث بحديث أبي بكر النهشلي، عن عاصم ابن كُليب، عن أبيه، عن علي: أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرةٍ من الصلاة ثم لا يرفع بعدُ٢.
فيا سبحان الله! ما الذي جعل أبا بكر النّهشليّ أولى بقبول حديثه من عبد الرحمن بن أبي الزناد؟ ومعلوم عند كلِّ من له علم بالحديث فضل ما بين النَّهْشلي وعبدالرحمن بن أبي الزناد في العلم والحفظ والفضل، وإنما أُنْكِر على ابن أبي الزناد بعضُ حديثه بالعراق لوهمٍ وقع فيه، وأبو بكر النّهشليّ فمعروف أيضًا بالوهم.
قال أبو حاتم بن حبّان٣: كان شيخًا صالحًا لكن غلب عليه التقشُّف حتى صار يَهِم وهو لا يعلم، فبطل الاحتجاج به.
وأما قول الذهبي: إنه رجل صالح يتكلَّم فيه ابن حبان بلا وجه٤؛
(١) «رفع اليدين» (ص/٢٢).
(٢) تقدم تخريجه والجواب عنه (ص/٨٦ - ٨٧). ووقع في (ف): «ثم لايعد».
(٣) «المجروحين»: (٣/ ١٤٥). ونص عبارته: «كان شيخًا صالحًا فاضلًا، غلبَ عليه التقشُّف حتى صار يَهِم ولا يعلم، ويخطئ ولايفهم، فبطل الاحتجاج به وإن كان ظاهره الصلاح».
(٤) تكلم فيه الذهبي في عدد من كتبه، «السير»: (٧/ ٣٣٣)، و«تاريخ الإسلام»: (٤/ ٥٥٦ - ٥٥٧ - بشار)، و«الميزان»: (٦/ ١٧٠)، وأقربها إلى ما ذكره المؤلف ما في كتابه «من تكلم فيه وهو موثق» (رقم ٣٩٨) قال: «صالح الحديث، تكلم فيه ابن حبان». و«المغني»: (٢/ ٧٧٣) قال: «صدوق، تكلم فيه ابن حبان».
فشهادةٌ على نفيٍ لا علمَ له به، قد عَلِمَه ابن حبان وعرَّف به، وهو أنه يهم ولا يعلم. ولا ريب أن من كان يكثر منه الوهم وهو لا يعلم لم يحتج بحديثه، وأما إذا قلَّ وهمه لم يسقط حديثه.
وبالجملة فالنَّهشليّ إن لم يكن دون عبد الرحمن بن أبي الزناد فليس فوقه، فما الذي جعله أولى بالقبول منه؟ هذا مع أن كليبًا والد عاصم بن كُليب ليس من المعروفين المشهورين.
قال الحافظ أبو الحجاج المِزِّي في «تهذيبه»١: «قال النسائي فيما قرأت بخطِّه: كليبٌ هذا لا يعلم أن أحدًا روى عنه غير ابنه عاصم بن كُليب، وغير إبراهيم بن مهاجر، وإبراهيم بن مهاجر ليس بقوي في الحديث».
ولا ريب أن الجهالة المطلقة لا ترتفع عن الراوي إلا برواية ثقتين فصاعدا عنه٢، ولم يحصل ذلك في حقّ كُليب، فكيف يُقدَّم حديثه على حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد؟
قالوا: سلَّمنا صِحَّته، فغايته أن يتضمَّن فعل عليٍّ لما روى خلافَه، والعذرُ عنه كما تقدَّم العذر عمّا رُوي عن عمر بن الخطاب سواء بسواء، والله أعلم.
(١) (٦/ ١٧٥).
(٢) هذا في حق من لم يوجد فيه جرح ولا تعديل، أما من تكلم فيه النقاد فقد ارتفعت جهالة حاله. انظر «ضوابط الجرح والتعديل»: (ص ١٠٥) لشيخنا عبدالعزيز العبداللطيف، و«الكفاية» (ص ٩٣).