وإذا عُرِف هذا فيقال: حديث ابن أبي الزناد هذا قد دلّ على أن حديث أبي بكر النّهشلي على أحد وجهين: إما أن يكون في نفسه سقيمًا أو يكون عليٌّ تَرَك الرفعَ في بعض الأحيان لعذر أو لسهو ونسيان، أو لبيان الجواز. وهذا أولى من ردِّ روايته عن النبي ﷺ بالترك المجمل، وهذا مما لا يشكّ فيه منصف.
وحاشا لله أن يُظن بعليٍّ أن يروي عن النبي ﷺ سنةً قد شاهدها هو وغيره، ثم يتركها ويستمرّ على تركها رغبةً عنها وكراهة لها. هذا مما لا يُظنّ بمن هو دون علي ﵁ بكثير فكيف به! فحديث أبي بكر النّهشلي إذا صحّ ففيه الحجة على من يرى الرفع فرضًا في الصلاة مع إمكان منعه للاحتجاج به عليه، إذ الحجةُ عندَه في روايته، لا في رأيه ومذهبه.
فصل
* وأما ردّكم لحديث مالك بن الحُوَيرث باضطرابه١، فقد برَّأه الله من الاضطراب، ورميه بالاضطراب من باب بَغْي البريء العَنَتَ٢، ومِن تَكَلُّف ردِّ السُّنن نُصْرةً لآراء الرجال.
(١) تقدم تخريجه (ص/١٥)، ودعواهم الاضطراب (ص/١٤٨ - ١٤٩).
(٢) أي من باب اتهام البريء بالخطأ، وطلب العيب له. انظر «النهاية في غريب الحديث»: (٣/ ٣٠٦).
فيا سبحان الله! أيُّ اضطرابٍ وتناقض بين قوله: «حتى يحاذي بهما أُذنيه»، وقوله: «فروع أُذنيه»؟ أفترى إذا حاذى فروع الأذنين لم يصحّ أن يقال: حاذى الأذنين!
وكذلك قوله: «قريبًا من أُذُنيه»، وقوله في اللفظ الآخر: «حَذْو مَنْكِبيه»، أراد به أن يكون أسافل اليدين حذو المنكبين، ورؤوس الأصابع حذو فروع الأذنين، فأيُّ اضطراب واختلاف في هذا غير مخالفته لقولكم؟ ولو ساغ لأحدٍ ردّ السُّنن بمثل هذا التوهُّم الباطل لأفلس العلماء من كثير من السنن التي عليها مدار الدين، والله المستعان.
قالوا: وأما قولكم: لعل مالك بن الحويرث رآه مرةً أو مرتين، فكيف يُقدَّم على حديث من لعله قد صلى معه عشرين ألف صلاة١؟! فهذا لو انفرد به مالك بن الحويرث لم يسغ ردّه بمثل هذا، فإن روايته تضمنت زيادة على ما رواه غيره، فكيف وقد رواه عن النبي ﷺ من تقدم ذكرهم.
قالوا: وهلَّا رددتم حديثَ وضع الأيدي على الرُّكَب، مع أنه حديث فَرْد بحديث ابن مسعود وقلتم: لعله قد صلى مع رسول الله ﷺ عشرين ألف صلاة؟
وأيضًا: فعبدالله بن عمر قد صلى معه نحو هذه الصلوات، فهلَّا كانت صلاته معه كذلك وطول صحبته له موجبةً لقبول روايته عنه ﷺ، مع تضمّنها زيادةَ إثباتٍ خفيت على ابن مسعود؟