فإن قيل: عبد الله بن عمر كان صغيرًا في عهد النبي ﷺ، ومثله لم يكن يقوم في الصف الأول بحيث يشاهد النبي ﷺ، وأما ابن مسعود فكان رجلًا كبيرًا مقامه في الصف حيث يقوم الرجال البالغون.
قالوا: فالجواب أن نقول: الحمد لله الذي عافانا من ردِّ سنن رسول الله ﷺ بالقدح في أصحابه، وأنهم رووا ما لم يضبطوه أو لم يشاهدوه، ولا علم لهم به!
قال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري١: «والعجب أن يقول أحدهم: كان ابن عمر صغيرًا في عهد النبي ﷺ. قال: ولقد شَهِد النبيّ ﷺ لابن عمر بالصلاح.
حدثنا يحيى بن سليمان، ثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم [بن]٢ عبد الله، عن أبيه، عن حفصة: أن رسول الله ﷺ قال: «إن عبد الله بن عمر رجلٌ صالح».
حدثنا عليّ بن عبد الله، ثنا سفيان قال: قال عَمرو: قال ابن عمر: إني لأذكر حين [ق ٦٨] أسلم عمر، فقالوا٣: صَبَأ عمر، فجاء العاصُ بن وائل فقال: صبأ عمر فَمَهْ، فأنا له جارٌ، فتركوه.
قال سعيد بن المسيّب: لو شهدتُ لأحدٍ أنه من أهل الجنة لشهدت لابن عمر.
(١) «رفع اليدين» (ص/٩٨ - فما بعدها).
(٢) الأصل وفرعه «عن» والتصحيح من كتاب البخاري.
(٣) الأصل: «فقال»، والمثبت من كتاب الرفع، و«صحيح البخاري» كتاب فضائل الصحابة، باب إسلام عمر ﵁.
وقال جابر بن عبد الله: لم يكن أحدٌ منهم ألْزَمَ لطريق رسول الله ﷺ ولا أَتْبعَ من ابنِ عمر». انتهى كلام البخاري.
قالوا: فعبدالله بن عمر من المهاجرين الأوَّلين، أسلم قديمًا مع أبيه، وهاجر معه، وقدّمه أمامه١ في ثَقَله٢، فمِنْ هاهنا قيل: هاجر قبل أبيه. وشهد الخندق وما بعدها مع رسول الله ﷺ.
وقد قال الزّهري: لا نَعْدِل برأي ابن عمر، فإنه أقام بعد رسول الله ﷺ ستين سنة فلَمْ يخفَ عليه شيءٌ من أمره ولا من أمر أصحابه٣.
قال ابن عبدالبر٤: وقد قيل: إن إسلامه كان قبل إسلام أبيه، ولا يصح، وكان عبد الله بن عمر ينكر ذلك. وأصحّ من ذلك قولهم: إن هجرته كانت قبل هجرة أبيه.
قال سفيان بن عُيينة٥، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: أدرك ابن عمر
(١) الأصل: «أمه» وأصلحها في (ف).
(٢) الثَّقَل ــ بفتح الثاء والقاف ــ ما يحمله المسافر من متاع وغيره. وفي ذلك حديث عن ابن عمر قال: لعن الله من يزعم أني هاجرت قبل أبي إنما قدمني في ثَقَله. قال الهيثمي في «المجمع»: (٦/ ٧٨): رواه الطبراني وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف.
(٣) أخرجه الحاكم: (٣/ ٥٥٩)، ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخه»: (٣١/ ١٦٤).