قال البخاري: «يعني أن الإنسان ينبغي له أن يُلقي رأيه لحديث النبيّ ﷺ حيث ثبت الحديث، ولا يعتلّ بعلل لا تصحّ ليقوّي هواه، وقد ذُكِر عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدُكم حتى يكون هواه تَبَعًا لما جئتُ به»١.
وقد قال بعض أهل العلم: كان الأوَّل فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم! ولقد قال ابن المبارك: كنت أصلي إلى جانب النعمان، فرفعتُ يديّ، فقال لي: ما خشيتَ أن تطير؟ فقلت: إن لم أَطِر في الأولى لم أَطِر في الثانية٢. قال وكيع: رحمة الله على ابن المبارك، لقد كان حاضر الجواب، فتحيَّر الآخر». انتهى كلام البخاري.
والمقصود أن وائل بن حُجر من مشاهير الصحابة باتفاق أهل العلم، والأمةُ كلها تلقّت رواياته بالقبول دون الردّ والدفع. ولوائل بن حُجْر عن النبي ﷺ عِدّة سنن رواها أهل الصحاح والسنن والمساند، وتلقاها العلماء كلهم بالقبول، ولم يردّوا شيئًا منها.
فمنها: ما رواه البخاري في «صحيحه»٣ عن علقمة بن وائل، عن أبيه قال: إني لقاعد مع النبيّ ﷺ إذ جاء رجلٌ يقودُ آخر بنِسْعَة، فقال: يا رسول الله، هذا قتل أخي، فقال رسول الله ﷺ: «أقتلتَه؟» فقال: إنه لو لم يعترف أقمتُ عليه البيِّنة، قال: نعم قتلتُه، قال: «كيف قتلتَه؟» قال: كنت أنا وهو
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (١٥).
(٢) سبق هذا الخبر مع تخريجه (ص/١٣٤).
(٣) كذا نسبه المصنف هنا للبخاري، وفي كتابه «زاد المعاد»: (٥/ ٨)، و«إعلام الموقعين»: (٦/ ٤٩٩) نَسَبه لمسلم (١٦٨٠) فقط، وهو الصواب، وانظر «تحفة الأشراف»: (٩/ ٨٦).
نَحْتطب١ من شجرة، فسبَّني فأغضبني، فضربتُه بالفأس على قرنه، فقتلتُه. فقال له النبي ﷺ: «هل لك من شيء تؤدّيه عن نفسك؟» قال: ما لي مالٌ إلا كسائي وفأسي. قال: «فترى قومَك يشترونك؟» قال: أنا أهْوَن على قومي من ذاك، فرمى إليه بنِسْعتِه. وقال: «دونَك صاحبَك»، فانطلق به الرجل. فلمَّا ولَّى قال رسول الله ﷺ: «إن قتلَه فهو مثلُه»، فرجع فقال: يا رسول الله! بلغني أنك قلتَ: «إن قتلَه فهو مثلُه» وأخَذْتُه بأمرِك، فقال [ق ٧٠] رسول الله ﷺ: «أما تريدُ أن يَبوءَ بإثْمِك وإثم صاحبك؟» قال: يا نبيَّ الله ــ لعله قال ــ: بلى، قال: «فإنه كذلك». قال: فرمى بنِسْعَته وخلّى سبيلَه.
وفي «مسند أحمد»٢ من حديث عبدالجبار بن وائل، عن أبيه قال: أُتيَ النبيُّ ﷺ بدلو من ماء، فشرب منه، ثم مجَّ في الدَّلو، ثم صَبَّ في البئر، أو شَرِب من الدّلو، ثم مجّ في البئر، ففاح منها مثل ريح المِسْك.
وفي «المسند»٣ عنه أيضًا: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يسجد على أنفه مع جبهته.
وسمعته يقول: «آمين» يمدّ بها صوته.
(١) كذا في الأصل و(ف) وفي بعض مصادر الحديث، وفي الصحيح «نختبط» وراجعتُ نسخة ابن خير من صحيح مسلم (ق ٢٥٣) فوجدته كذلك، وهو كذلك في «إعلام الموقعين»: (٦/ ٤٩٩) للمصنف.