* وأما ردُّكم لحديث أنس١ بتضعيف عبد الوهاب الثقفي؛ فعَنَتٌ ظاهر، فإن عبد الوهاب أحد الأئمة الأعلام، وقد اتفق الجماعة على إخراج حديثه، روى له الستة. وهو يُقْرَن بجرير بن عبدالحميد، ومُعتمِر بن سليمان، وطبَقَتِهما.
قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: عبد الوهاب الثقفي أثبت من عبدالأعلى الشامي، والثقفيّ أعْرف وأوثق عند أصحابه من عبد الأعلى٢.
وقال الدارمي٣: سألت يحيى بن معين، قلت: فالثقفي؟ قال: ثقة. قلت: هو أحبّ إليك في أيوب أو عبدالوارث؟ قال: عبدالوارث، قلت: ما حال وُهيب في أيوب؟ قال: ثقة. قلت: هو أحبّ إليك أو الثقفيّ؟ قال: ثقة وثقة.
وقال علي بن المديني: ليس في الدنيا كتاب عن يحيى أصح من كتاب عبد الوهاب، وكل كتاب عن يحيى فهو عليه كَلّ٤. يعني كتاب
(١) تقدم تخريجه (ص/١٨). وتقدم كلامهم عليه (ص/١٥٣ - ١٥٤).
(٢) في «العلل»: (١/ ٣٨١). ونقله ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»: (٦/ ٧١) وفيه: «عند أصحابنا».
(٣) في «تاريخه» (ص/٥٤ - ٥٥).
(٤) الأصل: «غلبه كل»! وعلى «كل» علامة، تعني الشك في الكلمة، وفي (ف) بعد أن كتبها غير محررة علق في الهامش عليها: «لعله: عيال».
عبد الوهاب١.
ولا يضره اختلاطه قبل موته كما قيل، فإنه روى هذا الحديث عن حُميد، وروايته عنه قديمة، فهو من أقدم شيوخه٢، ولهذا خرَّج البخاريّ٣ حديثَه عن حُمَيد: «يا بني سَلِمة ألا تحتسبون آثاركم».
والذي يُخاف من هذا الحديث أن لا يكون رَفْعُه محفوظًا؛ إذ قد رواه الثقات الأثبات عن أنس موقوفًا عليه، فمَن قدّم الرفعَ كأنه زيادة من الثقة فلا إشكال، ومن قدَّم الوقف ههنا لكثرة الواقفين وتميّزهم بالحفظ والإتقان كان غايته أن يكون موقوفًا على أنس. وابنُ خُزيمة وغيره يصَحّحه مرفوعًا، والدارقطنيُّ يصحِّحه موقوفًا٤. فإن كانا محفوظَين فالحجة قائمة به، وإن كان المحفوظ الموقوف لم يزدنا الاستشهادُ به إلا قوَّة وتثبيتًا، ويكون العمدة على غيره لا عليه وحده.
(١) ذكره البسوي في «المعرفة والتاريخ»: (١/ ٦٥٠).
(٢) كذا. وإنما البحث في تلاميذ عبد الوهاب، من منهم سمع منه قبل الاختلاط أو بعده، فالراوي عنه في هذا الحديث هو محمد بن يحيى بن فيّاض، فهل روى عنه قبل التغير أو بعده؟ ومع ذلك فقد دافع عنه الذهبي، قال في «السير»: (٩/ ٢٣٩ - ٢٤٠): «قلت: لكن ما ضره تغيره، فإنه لم يُحدِّث زمن التغير بشيء. قال العقيلي: حدثنا الحسين بن عبد الله الذارع، حدثنا أبو داود قال: تغير جرير بن حازم، وعبد الوهاب الثقفي، فحُجِب الناس عنهم» اهـ. وانظر «الكواكب النيرات»: (ص/٣١٤ - ٣١٩) لابن الكيّال.