* وأما ردّكم لحديث جابرٍ١ بأنه من رواية أبي الزبير؛ فردٌّ مردود وعُذْر غير مقبول، فإن أبا الزبير من الحُفّاظ الثقات، ولم يزل الأئمة يحتجّون بحديثه، وحديثه هذا على شرط مسلم، فإنه يخرِّج أحاديثَه عن جابر في «صحيحه» ويحتجّ بها، ولم يلتفت إلى قول من يُعلّلها.
وأبو الزبير غير مدفوع عن الحفظ [ق ٧٤] والصدق.
قال سفيان بن عيينة عن أبي الزبير: كان عطاء يقدِّمني إلى جابر أحفظ لهم الحديث. فهذا ثناء شيخه عليه٢.
وقال الإمام أحمد: قد احتمله الناس، وهو أحبّ إليّ من أبي سفيان٣.
وقال يحيى بن معين: ثقة. وقال مرّةً: صالح. وقال مرّةً: هو أحبّ إليّ من أبي سفيان٤.
وقال النسائي: ثقة.
(١) تقدم تخريجه (ص/١٨ - ١٩). وكلامهم عليه (ص/١٥٤).
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في «العلل»: (١/ ١٤٠).
(٣) «الجرح والتعديل»: (٨/ ٧٦).
(٤) ذكر كل هذه الروايات ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»: (٨/ ٧٦).
وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، وإلى الضعف ما هو١.
وذكره ابن حبان في «الثقات»٢ وقال: لم ينصف من قدح فيه؛ لأن من استرجح في الوزن لنفسه لم يستحق الترك لأجله.
قلت: يريد ما ذكره محمد بن جعفر المدائني، عن ورقاء قال: قلت لشعبة: مالك تركتَ حديث أبي الزبير؟ قال: رأيته يَزِنُ ويسترجح في الميزان. ومعلومٌ أن حديث الرّجل لا يُردّ بمثل هذا٣.
وقال أبو أحمد بن عدي٤: كفى بأبي الزبير صِدقًا أن مالكًا روى عنه، ولا أعلم أنّ أحدًا من الثقات تخلّف عن أبي الزبير إلا وقد كتب عنه، وهو في نفسه ثقة، إلا أنه يروي عنه بعض الضعفاء، فيكون ذلك من جهة الضعيف.
وفي الاحتجاج بأبي الزبير طريقة ثالثة، وهي طريقة جماعةٍ من حفّاظ المغرب: أن حديثه حجة إذا صرَّح بالسماع، أو كان من رواية الليث عنه خاصة، وهي طريقة أبي محمد بن حزم٥، وأبي الحسن بن القطان٦،
(١) انظر «تهذيب الكمال»: (٦/ ٥٠٥).
(٢) (٥/ ٣٥٢).
(٣) قال الشيخ المعلمي في «عمارة القبور» (ص/٨٤ - بتحقيقي) تعليقًا على هذا الجرح: «وغاية هذا المنافاة لكمال المروءة، وليس ذلك بجرح».