رفع اليدين

ومن وافقهما، قالا: لأنه معروف بالتدليس، والمدلّس إنما يحتجّ من روايته بما صرّح فيه بالسماع، وإنما قبلنا رواية الليث عنه؛ لأنه قال: قَدِمت مكة فدفع إليّ أبو الزبير كتابين، فسألته: هل سمع هذا من جابر؟ فقال: منه ما سمعت منه، ومنه ما حُدّثت عنه، فقلت: أَعْلِمْ لي على ما سمعت، فأعْلَم لي على هذا الذي عندي. ذكره سعيد بن أبي مريم، عن الليث١.

والصواب الاحتجاجُ به مطلقًا كما فعل مسلم وغيره؛ لأنه حافظ ثقة، والتدليس لا يُردّ به حديث الحفّاظ الأثبات، وقد احتجّ الناس بالأعمش، وبسفيان بن عيينة، وقتادة، وسفيان الثوري، والحَكَم، وعَمرو بن مرّة، وحُصين، والشعبي، وأبي إسحاق، وخلائق من الثقات المدلّسين الذين يَحتجّ بحديثهم أهلُ العلم. بل أكثر أهل الكوفة يدلّسون، ولم يسلم منهم من التدليس إلا نفرٌ يسير، فلو أسقطنا حديثَ المدلّس لذهب حديث هؤلاء وأضعافهم.

ثم كيف يليق بكم الطعن في حديث المدلّس وأنتم تقبلون المرسل؟! فكيف يجتمع ردّ حديث المدلس وقبول المرسل؟! وهل هذا إلا تناقض ظاهر!

والصواب عندنا في حديث المدلّسين والحديث المرسل: أن المدلّس إن كان عنده التدليس عن المتَّهمين والكذّابين والمجروحين والضعفاء لم يُقْبل تدليسه ولا إرساله، وإن كان لا يدلّس إلا عن ثقة لم يضرّ تدليسه،

  1. (١) أخرجه ابن عدي في «الكامل»: (٦/ ١٢٤).
227

مثل: سفيان بن عُيينة وأضرابه، فإنه يدلّس عن مثله وعمن هو ثقة صدوق، فإنه يدلّس عن مثل [ق ٧٥] مَعْمر، ومِسْعر، ومالك بن مِغْول، وزائدة١.

ومثل إبراهيم، فإنه إذا دلّس لم يدلس إلا عن ثقة٢.

وأما قتادة فقد أكثر عن أنس، وسعيد بن المسيب، وقد سئل شعبة عن تدليس قتادة فقال: قد وقفته على ذلك، فقال: ما سمعته من أنس فقد سمعته، وما لم أسمعه منه فقد حدثني به عنه النضر بن أنس، وموسى بن أنس، وغيرهما من ولد أنس.

وأما إكثاره عن سعيد بن المسيب، فإنه لزمه مدة فقال له: ارحل عني يا أعمى فقد نَزَحْتني أو أَنْزَفْتَني٣.

والمقصود أن من عُرِف بالتدليس عن غير الثقات وعن المجهولين، فإنه يتوقَّف فيما لم يصرّح فيه بالسماع، ومن لم يُعرف بالتدليس عن الضعفاء والمجروحين لم يتوقَّف في حديثه.

وتدليس المتقدِّمين كأبي الزبير، وإبراهيم، وطبقتهما، خير من تدليس المتأخّرين بطبقات، فلا يُسوّى بين التدليسين، والله أعلم.

  1. (١) انظر «صحيح ابن حبان»: (١/ ١٦١)، و«التمهيد»: (١/ ١٧ - ١٨).
  2. (٢) انظر «شرح معاني الآثار»: (١/ ٢٢٦)، و«التمهيد»: (١/ ٣٧ - ٣٨).
  3. (٣) انظر «الطبقات الكبرى»: (٩/ ٢٢٩) لابن سعد، و«الثقات»: (٥/ ٣٢٢).
228

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي