رفع اليدين

رواية١ مُحارب بن دِثار عن ابن عمر لا ذِكْر فيها للرفع للسجود ولا بين السجدتين٢.

وأما حديث مالك بن الحُوَيرث٣؛ فقد ذكر النسائيُّ علَّته في نفس الإسناد، وهي أنّ معاذ بن هشام قال: عن أبيه، عن قتادة، عن نَصْر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث: كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة رفع يديه، وإذا ركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع رأسه فعل مثل ذلك فقط.

فهذا موافقٌ لحديث ابن عمر وحديث أبي حُميد ومن معه، ولعل حديث ابن أبي عَديّ وعبدالأعلى رُوي بالمعنى، فظنَّ من رواه أنّ الرّفع عند رفع الرأس من الركوع والسجود. وبالجملة فهذا حديث معلول مخالف [ق ٩٠] للأحاديث الصحيحة عن ابن عمر وأبي حميد وغيرهما.

وأما حديث وائل بن حُجر٤، فالصحيح من حديثه ما قدمناه في أول المسألة ولا ذِكْر فيه للرَّفع بين السجدتين.

وأما حديث عبد الوهاب عن حُميد عن أنس: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه في الركوع والسجود٥؛ فهذا ــ والله أعلم ــ من تخليط عبد الوهاب، وهو الذي روى أيضًا عن عُبيدالله عن نافع عن ابن عمر: أنه

  1. (١) «أيوب ... رواية» سقطت من (ف).
  2. (٢) انظر (ص/٨٩ - ٩٠).
  3. (٣) سبق (ص/٢٦٢ - ٢٦٣).
  4. (٤) تقدم (ص/٢٦١ - ٢٦٢).
  5. (٥) تقدم (ص/٢٦٣).
267

كان يرفع يديه إذا سجد١. وانفرد بذلك عن سائر أصحاب عبيدالله، وعمَّا رواه الناس عن نافع وسالم= فعُلِم غلط عبد الوهاب، وأنه لم يحفظ ذلك كما حفظه الزُّهري وأيوب وغيرهما.

ومما يدلُّ على أنّ حديثَه عن حُميد عن أنس غلط: أن أصحاب أنس لم يذكر أحدٌ منهم عنه ذلك، ولا أصحاب حميد، غير رواية عبد الوهاب هذه التي انفرد بها، فهي شاذَّة منكرة.

هذا، وأبو محمد لا يندفع بمثل هذا الكلام الذي المحاكمةُ فيه إلى ذوق العارفين بالحديث وأطبّاء علله وجهابذة نُقَّاده؛ فإنَّ الظّاهرية المحضةَ لا تناسب طريقَهم ولا تلتئم على أصولهم، فمن سَلَكها ومضى فيها كالسِّكَّة المُحْمَاة٢ لم يطمع منازِعُه في استنزاله عن قوله، ولا في رجوعه إليه ألبتة.

ولكلٍّ من علماء الإسلام اجتهادٌ يثيبه الله عليه، ويجمع له به بين أجرَين، أو يقتصر به على أجر واحد. ﵃ أجمعين، وجزاهم أفضل جزاء المحسنين.

  1. (١) تقدم (ص/٢٥٤).
  2. (٢) السّكة المحماة: الحديدة الحارة، ووجه التشبيه بها في الحرارة والسرعة والنفوذ. قال ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة»: (١٠/ ٢٦٢) في شرح قول علي ﵁: (أكون في أمرك كالسكة المحماة في الأرض) قال: «وذلك أن السكة المحماة تخرق الأرض بشيئين: أحدهما تحدّد رأسها، والثاني حرارته، فإنَّ الجسم المحدّد الحار إذا اعتمد عليه في الأرض اقتضت الحرارة إعانة ذلك الطرف المحدد على النفوذ بتحليلها ما تلاقي من صلابة الأرض، لأن شأن الحرارة التحليل، فيكون غوص ذلك الجسم المحدّد في الأرض أوحى وأسهل».
268

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي