وأما من رأى الرفعَ كلَّه واجبًا؛ فحجَّتهم فعل النبيّ ﷺ، ومداومته عليه، وأمره للأمة أن يصلوا كما رأوه يصلي، ولم يصحِّح هؤلاء خبر البراء ابن عازب، ولا خبر ابن مسعود: أنه رفع يديه عند تكبيرة الإحرام ثم لم يعد١، وهذا كان طَرْد قول أبي محمد بن حَزْم، لكن صحَّح حديثَي البراء وابن مسعود.
وقال بعد رواية حديث ابن مسعود: ألا أُريكم صلاةَ رسول الله ﷺ، فرفع يديه في أول تكبيرة ثم لم يَعُد= فقال٢: «هذا الخبر صحيح، وليس فيه إلا أنّ رفع اليدين فيما عدا تكبيرة الإحرام ليس فرضًا، ولولا هذا الخبر لكان رفع اليدين عند كلِّ خفْضٍ ورفع وتكبير وتحميد في الصلاة فرضًا؛ لأنه قد صحَّ عن النبي ﷺ رَفْع اليدين عند كل رفع، وصح عنه: «صلّوا كما رأيتموني أصلي»٣، فلولا حديث ابن مسعود هذا لكان فرضًا على كلِّ مصلٍّ أن يصلي كما كان ﷺ يصلي، لكن لمَّا صحَّ خبرُ ابن مسعود عَلِمْنا أن رفع اليدين فيما عدا تكبيرة الإحرام سنة ونَدْب فقط.
وإن كان عليٌّ وابن مسعود لا يرفعان، فقد كان ابن عمر وابن عباس
(١) تقدما (ص/٤٣، ٥٠).
(٢) «المحلى»: (٤/ ٨٨).
(٣) تقدم تخريجه (ص ٢٦١).
وجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون، فليس فِعْلُ بعضهم حجّةً على فعل بعض، بل الحجّة على [ق ٩١] جميعهم ما صحَّ عن رسول اللهﷺ -.
وعلى كلِّ حال، فإن كان ابن مسعود وعليٌّ لا يرفعان، فما جاء عنهما قطُّ أنهما كرها الرّفع ولا نهيا عنه كما يفعل هؤلاء». انتهى كلامه.
فمن سلك هذه الطريقة ولم يصح عنده خبر ابن مسعود والبراء بن عازب= أوجب الرفعَ في المواطن التي صحَّ عن رسول الله ﷺ الرفعَ فيها، كما قال عليّ بن المديني: حقٌّ على المسلمين أن يرفعوا أيديهم على حديث ابن عمر١. وكان عبد الله بن عمر يحصب من لم يرفع يديه٢.
ولا ريب أنّ الرّفع في الصلاة مراتب؛ أقواها: الرّفع عند تكبيرة الافتتاح، ويليه: الرّفع عند الرّكوع والرّفع منه، ويليه: الرّفع عند النهوض من الرّكعتين، ويليه: الرّفع عند السّجود والرفع منه. ومن تدبر الأحاديث ومخارِجَها ومراتبها تبين له ذلك، والله أعلم.
وليس هذا الترتيب لأجل الاختلاف، ولكن هو مقتضى الأحاديث، وبه يُجْمَع بينها.
ولا ريب أن أحاديث الرّفع في كلّ خفضٍ ورفع ليست باطلةً بأسرها، وليست في القوّة والشهرة كأحاديث الرّفع في المواطن الثلاثة. ولا ريب أنَّ من الصحابة من كان لا يرفع يديه عند الرّكوع والرّفع منه، ولم يكن