ووجه هذا عموم الأدلة المسوِّية بين الرّجل والمرأة.
وروى سعيد بن منصور عن أمّ الدرداء: أنها كانت ترفع يديها في الصلاة حَذْو منكبيها٢.
والقول الثاني: أنه لا يُسنّ لها ذلك، وهو الرواية الثانية عن أحمد، فإنه نقل عنه يوسف بن موسى، وأحمد بن حسين بن حسّان: في المرأة ترفع يديها إذا ركعت وإذا رفعت؟ فقال: ما سمعنا بل الرّجل، فإن فعلت فلا بأس.
قال القاضي: وظاهر هذا أنّه رآه فِعلًا جائزًا، ولم يره مسنونًا في حقِّها؛ لأنَّه قال: ما سمعنا، أي: [ق ١٠٠] ما سمعناه مسنونًا.
قلت: [وهناك رواية]٣ عن أحمد ذكرها القاضي في «جامعه» وأبو البركات [في «شرحه»٤، قال] أبو البركات: رواية حنبل أنها ترفع دون رفع الرَّجُل [إلى] نحو الثديين. قال: وبه قال حماد وأبو حنيفة ...٥، وهو أوسط الأقوال وأقرب إلى رفع محذوري التجافي وحرمانها هذه السنة.
(١) ونحوه من التفريق قاله في سجود المرأة وجلوسها. قال أبو داود في «مسائله» (٣٦٠): «سألت أحمد عن المرأة كيف تسجد؟ قال: تضم فخذيها. قلت لأحمد: فجلوسها مثل جلوس الرجل؟ قال: لا».
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٨٥) من طريق إسماعيل بن عياش بسياق أتم من هذا. وتقدم (ص ٣٦).
(٣) طمس بمقدار كلمتين، لعله ما أثبت.
(٤) هو شرح الهداية، سبق التعريف به.
(٥) كلمة مطموسة وتحتمل: الثوري.
قلت: وقد قال عاصم الأحول: رأيت حفصة بنت سيرين تصلي، فإذا ركعت رفعت يديها عند ثدييها١.
وحجَّة من لم يستحبّ لها الرَّفع: أن المرأة تخالف الرّجل في الهيئات، ولهذا لا تجافي ولا تفترش ولا ترفع صوتها بتكبير ولا قراءة، فكذلك رفع اليدين.
ومن استحبَّه أجاب عن هذا بأن زمن التجافي والافتراش يطول، بخلاف زمن رفع اليدين فإنه يسير جدًّا، فهو بمنزلة حركة سائر بدنها، وهذا أرجح، والله أعلم.
ولنقتصر على هذا القَدْر بعد الاعتذار ــ لمن عساه يقف على هذا الكتاب ــ بقلّة البضاعة، وتشتُّت العَزَمات، وكثرة الصوارف عن حقِّ العلم وموجبه، وقلة الأعوان وكثرة المعارضات، وكلٌّ من هذه مُعادٍ للعلم ولطلبه. فما كان في هذا الكتاب من خطأٍ وزلل؛ فمن نفسي ومن الشطان، والله بريء منه ورسوله. وما كان فيه من صواب؛ فمن الله وحدَه وهو المانُّ به، والمُلْهِم له، والمُعِين عليه، والفاتح لأبوابه، والميسِّر لأسبابه، ولم أقصد فيه إلا نُصرة الحق دون التعصّب واتباع الهوى، فإنهما يصدَّان عن الحقّ، ويحرمان الأجر، ويبعدان عن الله ورسوله، ويوجبان مقته، ويخرجان صاحبهما عن درجة الوراثة النبوية، ويدخلانه في أهل الأهواء والعصبية.