ولا شهوة تحمل على المخالفة، فأقْدَمَ سادةُ الأمة وخيارُها على مخالفة هذا الأمر وعصيانه، ووُفِّق له ولأمثاله غيرُهم!
وإن قلتم: لم يفهموا من الآية ذلك، ولو فهموه لصاروا إليه، والله تعالى١ قد يخصّ بفهم كتابه من يشاء.
قيل لكم: أَجَلْ والله ما خَطَر هذا بقلب رجل واحد منهم ولا فَهِمَه من الآية قطّ، بل٢ ولا فهمه منها من أُنْزِل عليه الوحي قط، ولا خَطَر بباله ولا [طرأ على]٣ قلبه الكريم. والتعصُّبُ والحميَّةُ متى وصل إلى هذا الحدِّ فقد [تعرَّض] صاحبُه من الله لِمَا لا قِبَل له به، ولم يكن له خصم إلا الله ورسوله، [نسأل] الله العافية وحُسْن العاقبة.
وهذا التفسير المكذوب [المفترى]٤ لم يذهب إليه أحدٌ، لا من الأولين، ولا من الآخرين من جميع [من تكلَّم] في تفسير القرآن على اختلاف طبقاتهم، بل كلّهم مجمعون على [أنها] نزلت في كفِّ الأيدي عن القتال.
قال ابن جرير٥: «هم قوم من أصحاب٦ رسول الله ﷺ كانوا آمنوا
(١) (ف): «والله ﷾ قد يخصص».
(٢) كلمتان مطموستان، وأثرهما يدل على ما أثبت.
(٣) كلمتان لم تظهرا ولعلهما ما أثبت.
(٤) كلمة مطموسة، ولعلها ما أثبت.
(٥) هذا النقل بطوله من تفسير ابن جرير: (٧/ ٢٣٠ - ٢٣٣ ط دار هجر) مع بعض التصرف والاختصار.
(٦) (ف): «أصحاب كتاب ..»!
به وصدَّقوه قبل أن تُفْرَض عليهم١ الصلاة والزكاة، وكانوا يسألون الله أن يَفْرِض عليهم القتال، فلما فُرِض عليهم شقَّ ذلك عليهم، وقالوا ما أخبر الله عنهم في كتابه.
فتأويل قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾[النساء/٧٧]: ألم ترَ بقلبك يامحمد٢ فتَعْلَم، إلى الذين قيل لهم من أصحابك حين سألوك أن تسأل ربَّك أن يَفْرض عليهم القتال: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ فأمْسِكُوها عن قتال المشركين وحَرْبهم ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. يقول: وأدوا الصلاة التي فرضها الله عليكم بحدودها، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. يقول: وأعطوا الزكاة أهلها الذين جعل الله لهم في أموالكم تطهيرًا لأبدانكم= كرهوا ما أُمِروا به من كفِّ الأيدي عن قتال المشركين، وشقَّ [ق ١١] ذلك عليهم، ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾. يقول: فلما فُرِض عليهم القتال الذي كانوا يسألون أن يُفْرَض عليهم، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، يعني: جماعة منهم، ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾. [يقول: يخافون الناس]٣ أن يقاتلوهم، كخشيتهم الله أو أشدَّ خشيةً، ﴿وَقَالُوا﴾ جزعًا من
(١) في تفسير ابن جرير: «قبل أن يُفرض عليهم [زيادة من نسخة: الجهاد] وقد فرض عليهم الصلاة ..».
(٢) «يا محمد» سقط من (ف).
(٣) ما بين المعكوفين هنا وما سيأتي سقط من الأصل أو طمس بسبب الرطوبة. والإكمال من تفسير ابن جرير.