النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. قال سفيان: فلما قدمتُ الكوفةَ سمعته يقول: يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود. فظننتُ أنهم لقَّنوه». انتهى.
فهذه ثلاثة أوجه عن يزيد، فلو قُدِّر أنه من الحفّاظ الأثبات وقد اختلف حديثه؛ لوجب تركه والرجوع إلى الأحاديث الثابتة١ التي لم تختلف، مثل حديث الزُّهري عن سالم عن أبيه ونحوه، فمعارضتها بمثل هذا الحديث الواهي المضطرب معارضة باطلة.
وقال الدارقطني٢: إنما لُقِّن يزيد في آخر عمره: «ثم لا يعود» فتلقَّنه، وكان قد اختلط.
وقال سليمان الشاذكوني: سمعت سفيان بن عُيينة يقول: اجتمع الأوزاعي والثوري بمنى، فقال الأوزاعي للثوري: لِمَ لا ترفع يديك [في] خفض الركوع ورفعه؟ فقال الثوري: حدثنا يزيد بن أبي زياد. قال الأوزاعي: أروي لك عن الزهري، عن سالم، عن أبيه عن النبي ﷺ وتعارضني بيزيد بن أبي زياد، ويزيد رجل ضعيف الحديث، وحديثُه مخالف للسنة! قال: فاحْمارّ وجهُ سفيان. قال الأوزاعي: كأنك كرهتَ ما قلتُ! قال الثوريُّ: نعم، قال الأوزاعي: قم بنا إلى المقام نَلْتَعِن أيُّنا على
(١) (ف): «الثانية» خطأ.
(٢) في «السنن»: (١/ ٢٩٤).
الحقّ، قال: فتبسَّم الثوريُّ لمَّا رأى الأوزاعيَّ احتدَّ١.
قال الحاكم: ثم يعارضه ما روى إبراهيم بن بشَّار عن سفيان بن عيينة، عن يزيد بن أبي زياد، فذكر الحديث وزاد فيه ذِكْر الرفع عند الركوع وبعده. قال سفيان: فلما قدمتُ الكوفة سمعتُه يقول: «ثم لا يعود»، فظننتُ أنهم لقَّنوه٢.
قال الحاكم: لا أعلم ساق المتن بهذه الزيادة عن سفيان بن عيينة غير إبراهيم بن بشَّار الرَّمادي، وهو ثقة مأمون من الطبقة الأولى من أصحاب ابنِ عُيينة، جالس ابنَ عُيينة نيفًا وأربعين سنة٣.
فصل
وأما حديث ابن مسعود أنه قال: ألا أصلي بكم [ق ١٤] صلاةَ رسول الله ﷺ، فلم يرفع يديه إلا في٤ أول مرة٥.
(١) أخرجه البيهقي في «الكبرى»: (٢/ ٨٢).
(٢) ذكره عنه البيهقي في «الكبرى»: (٢/ ٧٧)، وفي «الخلافيات - كما في مختصره»: (٢/ ٨٠) للخمي. وانظر «البدر المنير»: (٣/ ٤٨٨ - ٤٨٩)، و«نصب الراية»: (١/ ٤٠٢ - ٤٠٣).
(٥) أخرجه أحمد في «المسند» رقم (٣٦٨١)، وأبو داود (٧٤٨، ٧٥١)، والترمذي رقم (٢٥٧)، والنسائي في «الصغرى» (١٠٥٨)، و«الكبرى» (٦٤٩، ١١٠٠)، وابن أبي شيبة في «المصنف» رقم (٢٤٥٦)، والبيهقي في «الكبرى»: (٢/ ٧٨) وغيرهم. وقال أبو داود عقبه: «ليس هو بصحيح على هذا اللفظ».