قال البخاري: فهذا أصح لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم؛ لأن الرجل ربما حدث بالشيء ثم نظر إلى الكتاب فيكون كما في الكتاب».
وقد ذكر البخاري أن المحفوظ في حديث ابن مسعود الرفع عند التكبير والسكوت عن غيره، وفرَّق بين السكوت والنهي؛ فرواه بعضهم بالمعنى، وظن أن سكوته عن ذكر الرفع إخبار بعدم العود إليه، فقال: «ثم لم يعد».
قال البخاري: «[حدثنا الحسن بن الربيع]١، حدثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كُليب، عن عبد الرحمن بن الأسود قال: ثنا علقمة: أن عبد الله قال: علَّمنا رسول الله ﷺ فقام فكبّر ورفع يديه، ثم ركع فطبَّق يديه وجعلهما بين ركبتيه، فبلغ ذلك سعدًا فقال: صدق أخي قد كنا نفعل ذلك في أول الإسلام، ثم أُمرنا بهذا٢.
قال البخاري: وهذا هو المحفوظ عند أهل النظر من حديث عبد الله ابن مسعود».
وناهيك بقول إمام السنة على الإطلاق: إن هذا هو المحفوظ، ويدل على أن تلك الروايات بأسرها غير محفوظة، وأنها خطأ وسهو، ورُوِيَت على المعنى من غير مطابقةٍ له٣.
(١) سقط من الأصل، ومستدرك من كتاب البخاري (ص ٨٣).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة رقم (٢٥٥٥)، وأحمد في «المسند» (٣٩٧٤)، و«العلل»: (١/ ٣٧٠)، وأبو داود (٧٤٧)، والنسائي (١٠٣١)، وابن خزيمة (٥٩٥) وغيرهم.
(٣) وانظر «المنار المنيف»: (ص/١٣٣) للمصنف.
فصل
وظن بعضُهم أنَّ الرفعَ منسوخ من قوله: قد كنا نفعل ذلك في أول الإسلام، وهذا من فرط قصوره في السنة؛ إذ الإشارة فيه١ إلى التطبيق٢ وأنه كان في أول الإسلام، ثم أُمروا بوضع الأيدي على٣ الرُّكَب.
وضعَّفَ أيضًا هذا الحديث أبو حاتم البُسْتي في كتابٍ أفرده في الصلاة، فقال فيه: وهذا الحديث له علة توهِّنه؛ لأن وكيعًا اختصره من حديث طويل، ولفظة «لم يعد» إنما كان وكيع يقولها في آخر الحديث مِنْ قِبَله، وقَبْلها: يعني٤، فربما أسقط «يعني».
وقد تقدم تضعيف البخاري وابن المبارك وأحمد بن حنبل ويحيى ابن آدم، وضعفه الدارمي والحميدي الكبير، والدارقطني والبيهقي. وهؤلاء أئمة هذا الشأن في زمانهم.
قال البخاري٥: «ولم يثبت عند أهل النظر ممن أدركنا من أهل
(١) طمست في الأصل وبقي بعض أثرها، وسقطت من (ف).
(٢) التطبيق هو: أن يجعل المصلي إحدى كفيه على الأخرى، ثم يجعلهما بين ركبتيه إذا ركع. قاله في «المغني»: (٢/ ١٧٥).
(٣) مطموسة في الأصل.
(٤) «يعني» ملحقة في الهامش ولم تظهر بسبب الطمس، والمثبت من «تهذيب السنن»: (١/ ٣٧٨) للمؤلف فقد نقل النص نفسه هناك.
(٥) كتاب «الرفع»: (ص/٩٦). وعنده تقديم أثر الحسن وابن سيرين على حديث ابن عمر ﵄. وأخرجه أيضًا البخاري في «صحيحه» رقم (٧٣٨)، ومسلم رقم (٣٩٠).