قلنا: أجل، ولذلك [روى] رفعَ اليدين عن النبي ﷺ مَن ذَكَرْنا من الصحابة، [واقتدى] الناسُ بصلاته وفعلوه من بعده، ولولا أنه أمر ظاهر ...١ يُرَى [لما] أقدموا عليه بلا مشاهدة منهم له، كيف وقد [رواه عنه]ﷺ من رواه منهم، والباقون إنما فعلوا ذلك مستندين إلى مشاهدته، ففعلهم في مثل هذا يجري مجرى الرواية؛ لأنهم أعلم بالله وأَتْبَع لرسوله من أن يزيدوا في الصلاة فعلًا منهم من غير توقيفٍ عليه من نبيهم ﷺ. ولو قيل: إن عملهم هنا أبلغ من الرواية لكان قولًا٢؛ لأن الرواية المجرَّدة يتطرَّق إليها من احتمال النَّسْخ وغيره ما لا يتطرَّق إلى العمل المتوارَث، وهو بحمد الله واضح.
قالوا: وقد ترك الناس من عمل ابن مسعود مسائل في الصلاة٣:
إحداها: التطبيق٤.
الثانية: وقوفه في وسط المأمومين إذا كانا اثنين، والسُّنة أن يتقدمهما كما فعل النبي ﷺ في حديث جابر، فروى مسلم في «صحيحه»٥ عنه قال: قام رسول الله ﷺ ليصلي، فجئت فقمت عن يساره، فأخذ بيدي
(١) لحق لعله بمقدار كلمة لم يظهر بسبب الطمس. وما بين المعكوفات في هذه الفقرة مطموس في الأصل، وبقيت بعض آثاره، استأنست بها فيما أثبتّ.
(٢) يعني: معتبرًا.
(٣) انظر «زاد المعاد»: (١/ ٢١٨ - ٢١٩) للمصنف.
(٤) تقدم معناه (ص/٥٧).
(٥) رقم (٣٠١٠) ضمن حديث طويل.
فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبَّار [ق ١٧] بن صخر فقام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بأيدينا جميعًا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه.
وفي الترمذي١ عن سَمُرة بن جندب قال: أمَرَنا رسولُ الله ﷺ إذا كنا ثلاثة أن [يتقدَّمنا] أحدُنا.
وخفي على ابن مسعود هذا، فكان يقف في الوسط، و[يجعل] أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، ويقول: هكذا كان رسول الله ﷺ يصنع٢.
(١) رقم (٢٣٣). وما بين المعكوفين منه وطمس بالأصل. وأخرجه الطبراني في «الكبير»: (٧/ ٢٢٨) وقال الترمذي عقبه: «حديث سمرة حديث حسن غريب. والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا: إذا كانوا ثلاثة قام رجلان خلف الإمام. وروي عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود فأقام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، ورواه عن النبي ﷺ. وقد تكلم بعض الناس في إسماعيل بن مسلم المكي من قبل حفظه» اهـ.
(٢) أخرجه مسلم رقم (٥٣٤)، وأبو داود رقم (٦١٣)، والنسائي رقم (٨٠٠). قال الزيلعي في «نصب الراية»: (٢/ ٣٣ - ٣٤): «قال المنذري في مختصره: قال ابن عبدالبر (التمهيد ١/ ٢٦٧): هذا الحديث لا يصح رفعه، والصحيح عندهم التوقيف على ابن مسعود، أنه صلى كذلك بعلقمة والأسود. قال: وهذا الذي أشار إليه أبو عمر قد أخرجه مسلم في «صحيحه» أن ابن مسعود صلى بعلقمة، والأسود، وهو موقوف، وقال بعضهم: (ونقل كلام الحازمي الآتي ذكره قريبًا). ثم نقل نحوه عن النووي. = = قلت: كأنهما ذهلا، فإن مسلمًا أخرجه من ثلاث طرق، لم يرفعه في الأوليين، ورفعه في الثالثة إلى النبي ﷺ، وقال فيه: هكذا فعل رسول الله ﷺ، والدليل عليه (ونقل كلام الترمذي المتقدم). ورواه البيهقي وأحمد من طريق محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، قال: دخلت أنا وعلقمة على ابن مسعود بالهاجرة، فلما زالت الشمس أقام الصلاة، فقمت أنا وصاحبي خلفه، فأخذ بيدي وبيد صاحبي، فجعلنا عن يمينه. ويساره، وقام بيننا، وقال: هكذا كان رسول الله ﷺ يصنع إذا كانوا ثلاثة، انتهى. وضُعِّف بابن إسحاق، وقد عنعن، وهو مدلس. وأجيب عن حديث ابن مسعود هذا بثلاثة أجوبة أحدها: أن ابن مسعود لم يبلغه حديث أنس في صلاته مع النبي ﷺ واليتيم. الثاني: أنه كان لضيق المسجد ... والثالث: ذكره البيهقي في «المعرفة» (٢/ ٣٧٩)، قال: وقد قيل: إنه رأى النبي ﷺ يصلي وأبو ذر عن يمينه، كل واحد يصلي لنفسه، فقام ابن مسعود خلفهما، فأومأ إليه النبي ﷺ بشماله، فظن عبد الله أن ذلك سنة الموقف، ولم يعلم أنه لا يؤمهما، وعلمه أبو ذر، حتى قال، فيما روي عنه: يصلي كل رجل منا لنفسه، وذهب الجمهور إلى ترجيح رواية غيره على روايته بكثرة العدد، والقائلين به، وبسلامته من الأحكام المنسوخة، انتهى. وقال الحازمي في كتابه «الناسخ والمنسوخ» (١/ ٤٠٧): وحديث ابن مسعود منسوخ، لأنه إنما تعلم هذه الصلاة من النبي ﷺ، وهو بمكة، وفيها التطبيق، وأحكام أخرى هي الآن متروكة، وهذا الحكم من جملتها، ولما قدم النبي ﷺ المدينة تركه، بدليل ما أخرجه مسلم (٣٠١٠) عن عبادة الوليد عن جابر (وقد سبق الحديث) قال: وهذا دال على أن هذا الحكم هو الآخر، لأن جابرًا إنما شهد المشاهد التي كانت بعد بدر، ثم في قيام ابن صخر عن يسار النبي ﷺ أيضًا دلالة على أن الحكم الأول كان مشروعًا، وأن ابن صخر كان يستعمل الحكم الأول حتى منع منه، وعرف الحكم الثاني» انتهى كلام الزيلعي بتصرف. وما بين الأقواس من تعليقي.