وأمَّا الدَّاء المُخَامِرُ: فهو من أوصافه، وسُمِّي مُخَامِرًا لمخالطته لِلْقَلْبِ١ والرُّوح، يُقال: خامرَه. قال الجوهري٢: والمُخَامَرة: المخالطة. وخامرَ الرجلُ المكانَ: إذا لزمه. وقد يكون أُخِذَ من قولهم: استخمرَ فلانٌ فلانًا: إذا استعبدَه، وكأنَّ العشقَ داءٌ مستعبدٌ للعاشق، ومنه حديث مُعاذ: «مَنِ اسْتَخْمَرَ قَوْمًا»٣ أي: أخذهم قهرًا وتملَّكَ عليهم. فالحبُّ داءٌ مخالِطٌ مُسْتَعْبِد.
فصل
وأمَّا الودُّ: فهو خالصُ الحبّ وألْطَفُه وأرَقُّه، وهو من الحبِّ بمنزلة الرأْفة من الرحمة، قال الجوهري٤: وَدِدْتُ الرجلَ أوَدُّه وُدًّا: إذا أحببتَه. والوِدُّ، والوَدُّ والوُدُّ: المودَّة. تقول: بودّي أن يكونَ كذا. وأما قول الشاعر٥:
فإنما أشبع كسرةَ الدال ليستقيمَ له البيت، فصارت ياءً. والوِدُّ الوديد بمعنى المودود، والجمع: أوُدٌّ، مثل: قِدْحٍ وأَقْدُح، وذئبٍ وأذْؤُب، وهما يتوادَّان، وهم أوِدَّاء. والوَدُود: المحبُّ، ورجالٌ وُدَدَاء يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ لكونه وصفًا داخلًا على وصفٍ للمبالغة.
قلت: الوَدُود من صفات الله ﷾، أصله من المَوَدَّة، واختُلِفَ فيه على قولين:
فقيل: هو وَدودٌ بمعنى وادٍّ، كضَرُوبٍ بمعنى ضارب، وقَتُولٍ بمعنى [١٨ ب] قاتلٍ، ونؤُومٍ بمعنى نائم، ويشهدُ لهذا القول: أنَّ فَعُولًا في صفات الله١ سبحانه بمعنى فاعلٍ، كغفور بمعنى غافر، وشكورٍ بمعنى شاكر، وصبورٍ بمعنى صابر.
وقيل: بل هو بمعنى مَوْدُود وهو الحبيبُ، وبذلك فسَّره البخاري في صحيحه٢، فقال: الوَدود: الحبيبُ.
والأوَّل أظهرُ؛ لاقترانه بالغفور في قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾[البروج/١٤]، وبالرحيم في قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾[هود/٩٠]، وفيه سرٌّ لطيف،
(١) ت: «صفاته».
(٢) انظر: «الصحيح مع الفتح» (٨/ ٦٩٨) في تفسير سورة البروج.