روضة المحبين

فمحبَّة العبودية هي١ أشرفُ أنواع المحبَّة، وهي خالصُ حقِّ الله عَلَى عباده، وفي الصحيح٢ عن مُعاذ أنه قال: كنتُ سائرًا مع رسول الله ﷺ فقال: «يا معاذ!» فقلت: لَبَّيْكَ يا رسولَ اللهِ وسَعْديْكَ! قال: ثمَّ سارَ ساعةً، ثم قال: «يا معاذ!» قلت: لَبَّيْكَ رسولَ الله وسعديك! ثم سارَ ساعةً فقال: «يا معاذ!»، قلت: لبيكَ رسولَ الله وسعديك! قال: «أتدري ما حَقُّ الله على عباده؟» قلت: اللهُ ورسولُه أعلم، قال: «حقُّه عليهم أن يعبدوه لا يُشركوا به شيئًا. أتدري ما حقُّ العباد عَلَى الله إذا فعلوا ذلك؟ ألا يُعذِّبهم بالنار».

وقد ذكرَ الله سبحانه رسولَه بالعبودية في أشرف مقاماته، وهي مقام التحدِّي، [٢٠ ب] ومقام الإسراء، ومقام الدعوة، فقال في التحدِّي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة/٢٣]، وقال في مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء/١]، وقال في مقام الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن/١٩].

وإذا تدافع أولو العزم٣ الشفاعةَ الكبرى يوم القيامة يقول المسيحُ لهم: «اذهبوا إلى محمدٍ، عبدٍ غفرَ الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر»٤،

  1. (١) ت: «من».
  2. (٢) أخرجه البخاري (٦٢٦٧، ٦٥٠٠)، ومسلم (٣٠).
  3. (٣) «أولو العزم» ساقطة من ش.
  4. (٤) قطعة من حديث الشفاعة، أخرجه البخاري (٧٤١٠)، ومسلم (١٩٣) من حديث أنس.
84

فنالَ ذلك المقام بكمال العبودية١ لله، وكمال مغفرة الله له. فأشرفُ صفاتِ العبد صفة العبودية، وأحبُّ أسمائه إلى الله اسم العبودية، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «أحبُّ الأسماء إلى الله عَبْدُ الله وَعَبْدُ الرَّحْمنِ، وأَصدقُها حارثٌ وهَمَّام، وأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّة»٢.

وإنَّما كان حارث وهمَّام أصدقَها لأنَّ كلَّ أحدٍ لابدَّ له من همٍّ وإرادةٍ وعزمٍ، ينشأ عنه حرثُه وفعلُه، وكلُّ أحدٍ حارثٌ وَهَمَّام، وإنَّما كان أقبَحَهَا حربٌ ومُرَّة؛ لما في مُسمَّى هذين الاسمين من الكراهة ونفور العقل عنها٣، وبالله التوفيق.

  1. (١) ت: «عبوديته».
  2. (٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣٤٥)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٨١٤)، وأبو داود (٤٩٥٠) من حديث أبي وهب الجشمي. وفي إسناده عقيل بن شبيب مجهول، وأبو وهب ليس صحابيًّا، فروايته عن النبي ﷺ مرسلة. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٢/ ٣١٢). والجزء الأول من الحديث صحيح، أخرجه مسلم (٢١٣٢) من حديث أنس.
  3. (٣) ش: «عنهما».
85

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي