فنالَ ذلك المقام بكمال العبودية١ لله، وكمال مغفرة الله له. فأشرفُ صفاتِ العبد صفة العبودية، وأحبُّ أسمائه إلى الله اسم العبودية، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «أحبُّ الأسماء إلى الله عَبْدُ الله وَعَبْدُ الرَّحْمنِ، وأَصدقُها حارثٌ وهَمَّام، وأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّة»٢.
وإنَّما كان حارث وهمَّام أصدقَها لأنَّ كلَّ أحدٍ لابدَّ له من همٍّ وإرادةٍ وعزمٍ، ينشأ عنه حرثُه وفعلُه، وكلُّ أحدٍ حارثٌ وَهَمَّام، وإنَّما كان أقبَحَهَا حربٌ ومُرَّة؛ لما في مُسمَّى هذين الاسمين من الكراهة ونفور العقل عنها٣، وبالله التوفيق.
(١) ت: «عبوديته».
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣٤٥)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٨١٤)، وأبو داود (٤٩٥٠) من حديث أبي وهب الجشمي. وفي إسناده عقيل بن شبيب مجهول، وأبو وهب ليس صحابيًّا، فروايته عن النبي ﷺ مرسلة. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٢/ ٣١٢). والجزء الأول من الحديث صحيح، أخرجه مسلم (٢١٣٢) من حديث أنس.
(٣) ش: «عنهما».
الباب الثالث
في نسبة هذه الأسماء بعضها إلى بعض
هل هي بالترادف أو التباين؟
فالأسماءُ الدالَّة عَلَى مسمًّى واحدٍ نوعان:
أحدهما: أن يَدُلَّ عليه باعتبار الذات فقط، فهذا النوع هو المترادفُ ترادفًا محضًا، وهذا كالحِنْطة والقمح والبُرِّ، والاسم١ والكُنْيَةِ واللَّقب، إذا لم يكن فيه مَدحٌ ولا ذمٌّ، وإنما أُتي به لمجرد التعريف.
والنوع الثاني: أن يدلَّ على ذاتٍ واحدة باعتبار تبايُنِ صفاتها، كأسماء الربِّ تعالى، وأسماءِ كلامه، وأسماءِ نبيِّه، وأسماءِ اليوم الآخر. فهذا النوع مُترادِفٌ بالنسبة إلى الذات، متباينٌ بالنسبة إلى الصِّفات. فالربُّ والرحمن والعزيز والقدير والمَلِكُ يدلّ على ذاتٍ واحدةٍ باعتبار صفاتٍ متعدِّدة، وكذلك البشير والنَّذير والحاشر والعاقِبُ والماحِي، وكذلك [٢١ أ] يوم القيامة ويوم البعث ويوم الجَمْع ويوم التَّغابُن ويوم الآزِفَة، ونحوها، وكذلك القرآن والفرقان والكتاب والهُدى ونحوها، وكذلك أسماء السَّيف، فإنَّ تعدُّدَها بحسب أوصافٍ وإضافاتٍ مختلفةٍ، كالمهنَّد والعَضْب والصَّارم ونحوها، وقد عرَفتَ تبايُنَ الأوصاف في أسماء المحبَّة.