روضة المحبين

الباب الرابع

في أنَّ العالمَ العُلويَّ والسُّفليَّ إنَّما وُجد بالمحبَّة ولأجلها،

وأنَّ حركاتِ الأفلاكِ والشَّمسِ والقمرِ والنُّجومِ وحركات الملائكةِ

والحيواناتِ، وحركةَ كلِّ متحركٍ إنَّما وُجدت بسبب الحبِّ

وهذا بابٌ شريفٌ من أشرف أبواب الكتاب، وقبل تقريره لابدَّ من بيان مقدمة، وهي أنَّ الحركاتِ ثلاث: حركةٌ إرادية، وحركةٌ طبيعية، وحركةٌ قَسْرية، وبيان الحصر أنَّ مبدأ الحركة إمَّا أن يكون من المُتحرك أو من غيره، فإنْ كانت من المتحرّك، فإمَّا أنْ يُقارنَها شعورُه وعلمُه بها أوْ لا، فإن قارنَها الشعورُ والعلمُ فهي الإراديَّة، وإن لم يُقارنها الشعورُ والعلمُ فهي الطبيعية، وإن كانت من غيره فهي القَسْرية.

وإن شئتَ أن تقول: المتحرّك إما أن يتحرّك بإرادته أوْ لا، فإنْ تحرَّك بإرادته فحركته [٢١ ب] إراديَّة، وإنْ تحرَّك بغير إرادته، فإمَّا أن تكون حركتُه إلى نحو مركزه أوْ لا، فإنْ تحرَّك إلى جهة مركزهِ؛ فحركتُه طبيعية، وإنْ تحرَّك إلى غير جهة مركزه فحركتُه قَسْرية.

إذا ثبت هذا فالحركة الإرادية تابعةٌ لإرادة المتحرِّك، والمرادُ إمَّا أن يكون مرادًا١ لنفسه أو لغيره، ولابدَّ أن ينتهيَ المراد لغيره إلى مرادٍ

  1. (١) ش: «مرادها».
88

لنفسه؛ دفعًا للدَّور والتسلسل. والإرادة إما أن تكونَ لجلب منفعةٍ ولذةٍ إمَّا للمتحرّك وإمَّا لغيره، أو دفع ألمٍ ومضرَّة إمَّا عن المتحرّك أو عن غيره، والعاقلُ لا يجْلِبُ لغيره منفعةً ولا يدفعُ عنه مَضرَّةً إلا لما له هو في ذلك من اللَّذة ودفع الألم، فصارت حركته الإرادية تابعةً لمحبته، بل هذا حكم كلِّ حيٍّ متحرِّك.

وأمَّا الحركة الطبيعية فهي حركة الشيء إلى مستقرِّه ومركزه، وتلك تابعةٌ للحركة التي اقتضت خروجَه عن مركزه، وهي القَسْرية؛ التي إنَّما تكون بقسرِ قاسرٍ أخرجَه عن مركزه، إما باختياره، كحركة الحجر إلى أسفلَ إذا رُمِيَ به إلى جهة فوق، وإمَّا بغير اختيار مُحَرِّكه، كتحريك الرياح للأجسام إلى جهة مَهَابِّها١، وهذه الحركة تابعةٌ للقاسر، وحركةُ القاسر ليست منه بل مبدؤها من غيره، فإن الملائكة مُوَكَّلَةٌ بالعالم العُلويِّ والسُّفلي، تُدبِّره بأمر الله ﷿ كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات/٥]، وقال: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات/٤].

وقال تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ١ فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ٢ وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ٣ فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا ٤ فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات/١ ــ ٥].

وقال: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا ١ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا ٢ وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ٣ فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا ٤ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات/١ ــ ٥].

  1. (١) ت: «مابها».
89

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي