لنفسه؛ دفعًا للدَّور والتسلسل. والإرادة إما أن تكونَ لجلب منفعةٍ ولذةٍ إمَّا للمتحرّك وإمَّا لغيره، أو دفع ألمٍ ومضرَّة إمَّا عن المتحرّك أو عن غيره، والعاقلُ لا يجْلِبُ لغيره منفعةً ولا يدفعُ عنه مَضرَّةً إلا لما له هو في ذلك من اللَّذة ودفع الألم، فصارت حركته الإرادية تابعةً لمحبته، بل هذا حكم كلِّ حيٍّ متحرِّك.
وأمَّا الحركة الطبيعية فهي حركة الشيء إلى مستقرِّه ومركزه، وتلك تابعةٌ للحركة التي اقتضت خروجَه عن مركزه، وهي القَسْرية؛ التي إنَّما تكون بقسرِ قاسرٍ أخرجَه عن مركزه، إما باختياره، كحركة الحجر إلى أسفلَ إذا رُمِيَ به إلى جهة فوق، وإمَّا بغير اختيار مُحَرِّكه، كتحريك الرياح للأجسام إلى جهة مَهَابِّها١، وهذه الحركة تابعةٌ للقاسر، وحركةُ القاسر ليست منه بل مبدؤها من غيره، فإن الملائكة مُوَكَّلَةٌ بالعالم العُلويِّ والسُّفلي، تُدبِّره بأمر الله ﷿ كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾[النازعات/٥]، وقال: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾[الذاريات/٤].
وقد وكَّل الله سبحانه بالأفلاك والشمس والقمر ملائكةً تُحرّكها، ووكَّلَ بالرياح ملائكةً تُصرِّفها بأمره، وهم خَزَنتُها، قال تعالى: [٢٢ أ]﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾[الحاقة/٦].
قال غيرُ واحد من السلف: عَتَتْ على الخُزَّان فلم يقدروا على ضبطها. ذكره البخاري في صحيحه١.
ووكَّلَ بالقطر ملائكةً، وبالسَّحاب ملائكةً٢ تسوقه إلى حيث أُمرت به.
وقد ثبت في الصحيح٣ عن النبي ﷺ أنَّه قال: «بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الأرْضِ؛ إذْ سَمِعَ صوتًا في سَحَابةٍ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَتَبَّعَ السَّحابةَ حتَّى انْتَهَتْ إلى حَدِيقةٍ، فَأَفْرَغَتْ مَاءَهَا فِيهَا، فَنَظَرَ فإذا رَجُل في الحَدِيقَةِ يُحَوِّلُ الماءَ بِمِسْحَاته، فقال لَهُ: ما اسْمُك ياعَبْدَ الله؟ فَقَال: فلانٌ - للاسم الَّذي سمِعه في السَّحَابةِ - فقالَ: إنّي سمعْتُ قائِلًا يقُولُ في هذه السَّحَابةِ: اسْقِ حَدِيقةَ فُلانٍ، فما تصنع في هذه الحَدِيقةِ؟ فقال: إنِّي أنْظُرُ ما يَخْرُجُ منها، فأجعَلُهُ ثلاثة أثْلَاثٍ: ثُلُثٌ أَتَصَدَّقُ به، وثُلُثٌ أُنْفِقُهُ على عِيالي، وثُلُثٌ أرُدُّهُ فِيهَا».