فأخبرَ أنَّهم لا يعصونه في أمره، وأنَّهم قادرون على تنفيذ أوامره، ليس بهم عجزٌ عنها، بخلاف من يترك ما أُمر به عجزًا، فلا يَعصي الله ما أمره، وإن لم يفعلْ ما أمره١ به.
وكذلك البحارُ قد وُكِّلت بها ملائكةٌ تسجرُها، وتمنعُها أن تفيضَ عَلَى الأرض، فتغرق أهلها.
وكذلك أعمالُ بني آدم خيرُها وشرُّها قد وُكِّلت بها ملائكةٌ تُحصيها، وتحفظُها، وتكتُبها.
ولهذا كان الإيمانُ بالملائكة أحدَ أركان الإيمان الذي لا يَتمّ إلا به، وهي خمس: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
وإذا عُرِفَ ذلك عُرف٢ أنَّ كلَّ حركةٍ في العالم فسببُها الملائكة، وحركتُهم طاعةُ الله٣ بأمره وإرادته، فيرجعُ٤ الأمر كلُّه إلى تنفيذ مراد
(١) ت: «أمر».
(٢) «ذلك عرف» ساقطة من ش.
(٣) ت: «وحركاتهم طاعة لله».
(٤) ت: «فرجع».
الربِّ - تعالى - شرعًا وقَدَرًا، والملائكةُ هم المنفِّذون ذلك بأمره، ولذلك سُمُّوا ملائكةً، من الأَلُوكَةِ، وهي الرسالة، فهم رُسُل الله في تنفيذ أوامره.
والمقصود أنَّ حركاتِ الأفلاك وما حَوَتْه تابعةٌ للحركة الإرادية المستلزمة للمحبَّة، فالحبُّ والإرادة أصلُ كلِّ فعلٍ ومبدؤه، فلا يكون الفعل إلا عن محبةٍ وإرادة، حتى دفعه للأمور التي يُبغضها ويَكرهها، فإنما يدفعُها بإرادته ومحبته لأضدادها، واللَّذة التي يجدُها بالدفع، كما يُقال: شفَى غيظَه، وشَفَى صدرَه، والشفاء والعافية يكون بالمحبوب١ وإن كان كريهًا، مثل شرب الدواء الذي يُدْفَع به ألمُ المرض، فإنه وإن [٢٣ أ] كان مكروهًا من وجهٍ فهو محبوبٌ؛ لما فيه من زوال المكروه وحصول المحبوب، وكذلك فعلُ الأشياء المخالفة للهوى، فإنَّها وإنْ كانت مكروهةً فإنما تُفْعَل لمحبَّةٍ وإرادة، وإن لم تكن محبوبةً لنفسها فإنها مستلزمةٌ للمحبوب لنفسه. فلا يتركُ الحيُّ ما يُحِبُّه ويهواه إلا لما يُحِبُّه ويهواه، ولكن يترك أضعفَهما محبةً لأقواهما محبَّة، ولذلك كانت المحبَّة والإرادة أصلًا للبُغض والكراهة، فإن البغيضَ المكروه يُنافي وجود المحبوب، والفعل إما أن يتناولَ وجود المحبوب أو دفعَ المكروه المستلزِمَ لوجود المحبوب، فعادَ الفعلُ كلُّه إلى وجود المحبوب.