وهذا بابٌ واسع قد فُتح لك، فادخل منه؛ يُطلعك على رياضٍ من المعرفة مُؤنِقَةٍ، مات مَنْ فاتته بحسرتها، وبالله التوفيق.
وهذا موضعٌ تَضيقُ عنه عِدَّة أسفار، واللَّبيبُ يدخلُ إليه من بابه، وسرُّ هذا الباب: أنَّه سبحانه كاملٌ في أسمائه وصفاته، فله الكمالُ المطلقُ من جميع الوجوه؛ الذي لا نقصَ فيه بوجهٍ ما، وهو يحبُّ أسماءه وصفاته، ويحب ظهورَ آثارها في خلقه، فإنَّ ذلك من لوازم كماله، فإنَّه سبحانه وتْرٌ يُحِبُّ الوتْرَ١، جميلٌ يحبُّ الجمالَ٢، عليمٌ يحبُّ العلماءَ، جوادٌ يحبُّ الأجواد، قويٌّ، والمؤمنُ القويُّ أحَبُّ إليه من المؤمن الضعيف٣، حَييٌّ يحبُّ أهل الحياء٤، وفيٌّ يحبُّ أهلَ الوفاء، شكورٌ يحبُّ الشَّاكرينَ، صادقٌ يحبُّ الصادقين، محسنٌ يحبُّ المحسنين.
فإذا كان يُحِبُّ العفوَ والمغفرة والحِلْمَ والصَّفْحَ والسَّتْرَ، لم يكن بُدٌّ من تقديره للأسباب التي تَظهرُ آثارُ هذه الصفات فيها، ويَسْتَدِلُّ بها عبادُه على كمال أسمائه وصفاته، ويكون ذلك أدْعى لهم إلى محبَّتِه،
(١) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (٦٤١٠)، ومسلم (٢٦٧٧) عن أبي هريرة.
(٢) كما في الحديث الذي أخرجه مسلم (٩١) عن ابن مسعود.
(٣) كما في الحديث الذي أخرجه مسلم (٢٦٦٤) عن أبي هريرة.
(٤) كما في الحديث الذي أخرجه أحمد (٢/ ٢٢٤)، وأبو داود (٤٠١٢)، والنسائي (١/ ٢٠٠) عن يعلى بن أمية.
وحمدِه، وتمجيدِه، والثناء عليه بما هو أهلُه، فتحصُل الغاية التي خَلَقَ لها الخلق، وإن فاتت من بعضهم، فذلك الفواتُ سببٌ لكمالها وظهورها، فتضمَّن ذلك الفواتُ المكروهُ له أمرًا هو أحبُّ إليه من عدَمه، فتأمَّلْ هذا الموضع حقَّ التأمل.
وهذا ينكشف يوم القيامة للخليقة بأجمعهم حين يجمعهم في صعيدٍ واحد، ويُوصِل إلى كلِّ نفسٍ ما ينبغي إيصالُه إليها من الخير والشرّ، [٢٥ ب] واللَّذَّة والألم، حتى مثقال الذَّرة، ويوصل كلَّ نفس إلى غاياتِها١ التي تشهد هي أنها أوْلى بها، فحينئذٍ يَنْطِق الكونُ بأجمعه بحمده ﵎ قالًا وحالًا، كما قال ﷾: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[الزمر/٧٥]، فحذف فاعل القول لأنَّه غيرُ معيَّن، بل كلُّ أحدٍ يَحمَدُه على ذلك الحُكم الذي حكم به٢، فَيَحْمَدُه أهلُ السموات وأهلُ الأرض، والأبرارُ والفجَّارُ، والإنسُ والجِنُّ، حتى أهلُ النار.
قال الحسن أو غيره: لقد دخلوا النَّارَ وإن حَمْدَه لفي قلوبهم ما وجدوا عليه سبيلًا، وهذا - والله أعلمُ - هو السرُّ الذي حذفَ لأجله الفاعل في قوله: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾[الزمر/٧٢]،