فتكون قوَّة محبته بحسب ذلك الجمال عنده، فإنَّ حُبَّك الشيءَ١ يُعمي ويُصِمُّ، فلا يرى المحبُّ أحدًا أحسن من محبوبه. كما يُحْكى أنَّ عَزَّة دخلت على الحجَّاج فقال لها: يا عزَّةُ! والله ما أنتِ كما قال فيك كُثَيِّر، فقالت: أيُّها الأمير إنَّه لم يَرَني بالعين التي رأيتَني بها.
ولا ريبَ أنَّ المحبوبَ أحلى٢ في عين مُحبِّه، وأكبرُ في صدره من غيره، وقد أفصحَ بهذا القائلُ في قوله٣:
فو الله ما أدري أزِيدَتْ ملاحةًوحُسْنًا على النِّسوان أم ليس لي عَقْلُ
وقد يكون الجمالُ مُوَفَّرًا، لكنَّه ناقصُ الشعور به، فَتَضْعُفُ محبَّتُه لذلك، فلو كُشفَ له عن حقيقته لأسر قلبَه.
ولهذا أُمِرَ النساءُ بسَتْرِ وجوههن عن الرِّجال، فإنَّ ظهورَ الوجه يُسفِرُ عن كمال٤ المحاسن، فيقع الافتتان، ولهذا شُرع للخاطب أن ينظرَ إلى المخطوبة، فإنَّه إذا شاهد حسنَها وجمالَها؛ كان ذلك أدعى إلى حصول المحبَّة والأُلفة بينهما، كما أشار إليه النبي ﷺ في قوله: «إذا أراد
(١) ش: «للشيء». وهذا الحديث سبق تخريجه.
(٢) ت: «أجلّ».
(٣) البيت للحكم الخضري في «الحماسة» (٢/ ٧٢)، و«سمط اللآلي» (١/ ١٦).
(٤) في هامش ت: «جمال».
أحدُكُم خِطبة امْرَأةٍ فلينظُر إلى ما يدعُوه إلى نِكَاحِها، فإنَّه أَحْرَى أن يُؤْدَم بَيْنَهُمَا»١ أي: يُلاءم ويُوافقَ ويُصْلَحَ، ومنه الإدام الذي يُصْلَحُ به الخبز. وإذا وُجِد ذلك كلُّه، وانْتَفَتِ المناسبة والعَلاقة التي بينهما لم تَسْتحكم المحبَّة؛ وربما لم تقع ألبتةَ، فإن التناسُبَ الذي بين الأرواح من أقوى أسباب المحبَّة.
فكلُّ امرئ يصبُو إلى مَنْ يُناسبُهْ٢
وهذه المناسبة نوعان: أصليةٌ من أصل الخِلْقة، وعارضةٌ بسبب المجاورة أو الاشتراك في أمرٍ من الأمور، فإنَّ من ناسبَ قصدُك قصدَه حصلَ التوافقُ بين رُوحِك ورُوحِه، فإذا اختلفَ القصدُ زالَ التوافُق، فأمَّا التناسُب الأصلي، فهو اتفاقُ أخلاق، وتشاكُلُ أرواح، وشوقُ كلِّ نفسٍ إلى مُشاكلها، فإنَّ شِبْهَ الشيء٣ يَنجذبُ إليه بالطبع، فتكون الرُّوحان
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٤، ٣٦٠)، وأبو داود (٢٠٨٢)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ١٦٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٨٤) من حديث جابر،، وإسناده حسن. والجزء الأخير من الحديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٤٤، ٢٤٥، ٢٤٦)، والترمذي (١٠٨٧)، والنسائي (٦/ ٦٩)، وابن ماجه (١٨٦٦) من حديث المغيرة بن شعبة. وفي الباب عن أنس وغيره من الصحابة.
(٢) صدره: وكلُّ امرئ يهفو إلى من يحبه. وهو بلا نسبة في «مدارج السالكين» (٢/ ٣٨٦)، و«وبدائع الفوائد» (٢/ ٦٧٣).