أحدُكُم خِطبة امْرَأةٍ فلينظُر إلى ما يدعُوه إلى نِكَاحِها، فإنَّه أَحْرَى أن يُؤْدَم بَيْنَهُمَا»١ أي: يُلاءم ويُوافقَ ويُصْلَحَ، ومنه الإدام الذي يُصْلَحُ به الخبز. وإذا وُجِد ذلك كلُّه، وانْتَفَتِ المناسبة والعَلاقة التي بينهما لم تَسْتحكم المحبَّة؛ وربما لم تقع ألبتةَ، فإن التناسُبَ الذي بين الأرواح من أقوى أسباب المحبَّة.
فكلُّ امرئ يصبُو إلى مَنْ يُناسبُهْ٢
وهذه المناسبة نوعان: أصليةٌ من أصل الخِلْقة، وعارضةٌ بسبب المجاورة أو الاشتراك في أمرٍ من الأمور، فإنَّ من ناسبَ قصدُك قصدَه حصلَ التوافقُ بين رُوحِك ورُوحِه، فإذا اختلفَ القصدُ زالَ التوافُق، فأمَّا التناسُب الأصلي، فهو اتفاقُ أخلاق، وتشاكُلُ أرواح، وشوقُ كلِّ نفسٍ إلى مُشاكلها، فإنَّ شِبْهَ الشيء٣ يَنجذبُ إليه بالطبع، فتكون الرُّوحان
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٤، ٣٦٠)، وأبو داود (٢٠٨٢)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ١٦٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٨٤) من حديث جابر،، وإسناده حسن. والجزء الأخير من الحديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٤٤، ٢٤٥، ٢٤٦)، والترمذي (١٠٨٧)، والنسائي (٦/ ٦٩)، وابن ماجه (١٨٦٦) من حديث المغيرة بن شعبة. وفي الباب عن أنس وغيره من الصحابة.
(٢) صدره: وكلُّ امرئ يهفو إلى من يحبه. وهو بلا نسبة في «مدارج السالكين» (٢/ ٣٨٦)، و«وبدائع الفوائد» (٢/ ٦٧٣).
(٣) ت: «سببه الذي».
متشاكلتين [٢٦ ب] في أصل الخِلقة، فينجذب كلٌّ منهما إلى الأخرى بالطبع، وقد يقعُ الانجذاب والميلُ بالخاصِّيَّةِ، وهذا لا يُعلَّل، ولا يُعرَف سَبَبُه، كانجذاب الحديد إلى الحجر المِغْنَاطيس. ولا ريبَ أنَّ وقوعَ هذا القَدْر بين الأرواح أعظمُ من وقوعه بين الجمادات، كما قيل:
وهذا الذي حَمَلَ بعضَ الناس على أن قال: إنَّ العشقَ لا يقفُ على الحُسْن والجمال، ولا يلزمُ من عَدَمِهِ عَدَمُه، وإنما هو تشاكُل النفوسِ وتمازُجُها في الطباع المخلوقة فيها، كما قيل١:
وما الحُبُّ من حُسْنٍ ولا مِنْ مَلاحةٍولكنَّه شيءٌ به الرُّوح تَكْلَفُ
قال هذا القائل: فحقيقتُه أنَّه مِرْآة يُبْصرُ فيها المحبُّ طباعَه وَرِقَّته في صورة محبوبه، ففي الحقيقة لم يحبَّ إلا نفسه وطباعَه ومُشاكِلَه.
وقال بعضُهم لمحبوبه: صادفتُ فيك جوهرَ نفسي، ومُشَاكِلَتَها٢ في كلِّ أحوالها، فانبعثتْ نفسي نحوَك، وانقادتْ إليك، وإنَّما هويتُ نفسي.
(١) البيت لمحمد بن داود الظاهري في «مصارع العشاق» (٢/ ٥٨)، و«ذم الهوى» (ص ٣٠٢)، و«ديوان الصبابة» (ص ٢٥٨)، و«تزيين الأسواق» (٢/ ٥٩). وبلا نسبة في «التمثيل والمحاضرة» (ص ٢١٢).