روضة المحبين

متشاكلتين [٢٦ ب] في أصل الخِلقة، فينجذب كلٌّ منهما إلى الأخرى بالطبع، وقد يقعُ الانجذاب والميلُ بالخاصِّيَّةِ، وهذا لا يُعلَّل، ولا يُعرَف سَبَبُه، كانجذاب الحديد إلى الحجر المِغْنَاطيس. ولا ريبَ أنَّ وقوعَ هذا القَدْر بين الأرواح أعظمُ من وقوعه بين الجمادات، كما قيل:

محاسنُها هَيُولى كلِّ حسنٍومِغْنَاطيسُ أَفْئِدَةِ الرِّجال

وهذا الذي حَمَلَ بعضَ الناس على أن قال: إنَّ العشقَ لا يقفُ على الحُسْن والجمال، ولا يلزمُ من عَدَمِهِ عَدَمُه، وإنما هو تشاكُل النفوسِ وتمازُجُها في الطباع المخلوقة فيها، كما قيل١:

وما الحُبُّ من حُسْنٍ ولا مِنْ مَلاحةٍولكنَّه شيءٌ به الرُّوح تَكْلَفُ

قال هذا القائل: فحقيقتُه أنَّه مِرْآة يُبْصرُ فيها المحبُّ طباعَه وَرِقَّته في صورة محبوبه، ففي الحقيقة لم يحبَّ إلا نفسه وطباعَه ومُشاكِلَه.

وقال بعضُهم لمحبوبه: صادفتُ فيك جوهرَ نفسي، ومُشَاكِلَتَها٢ في كلِّ أحوالها، فانبعثتْ نفسي نحوَك، وانقادتْ إليك، وإنَّما هويتُ نفسي.

  1. (١) البيت لمحمد بن داود الظاهري في «مصارع العشاق» (٢/ ٥٨)، و«ذم الهوى» (ص ٣٠٢)، و«ديوان الصبابة» (ص ٢٥٨)، و«تزيين الأسواق» (٢/ ٥٩). وبلا نسبة في «التمثيل والمحاضرة» (ص ٢١٢).
  2. (٢) ت: «مشاكلها».
106

وهذا صحيحٌ من وجهٍ، فإنَّ المناسبة عِلَّةُ الضَّمِّ شَرْعًا وقدرًا، وشاهِدُ هذا بالاعتبار: أنَّ أحبَّ الأغذية إلى الحيوان ما كان أشبَه بجوهر بدنه، وأكثرَه مناسبةً له، وكلَّما قويت المناسبة بين الغاذي والغذاء كان ميلُ النفس إليه أكثر، وكلَّما بعدت المناسبة حصلت النُّفرةُ عنه، ولا ريبَ أنَّ هذا قَدْرٌ زائدٌ على مجرَّد الحسن والجمال، ولهذا كانت النفوسُ الشريفة الزكيَّةُ العُلْويَّة تعشقُ صفاتِ الكمال بالذَّات، فأحبُّ شيء إليها العلمُ، والشَّجاعةُ، والعفَّةُ، والجودُ، والإحسانُ، والصبر١، والثباتُ؛ لمناسبة هذه الأوصاف لجوهرها، بخلاف النفوس اللئيمة الدنيَّة فإنَّها بِمعْزِلٍ عن محبَّة هذه الصفات، وكثيرٌ من الناس يحملُه على الجود والإحسان فرطُ عشقه ومحبَّتِه له، واللَّذَّةُ التي يجدُها٢ في بذله، كما قال المأمون: لقد حُبِّبَ إليَّ العفوُ حتى خشيتُ ألَّا أُؤْجَر عليه [٢٧ أ].

وقيل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى٣: تعلَّمتَ هذا العلمَ لله؟ فقال: أمَّا لله فعزيز، ولكنْ شيءٌ حُبِّبَ إليَّ، ففعلتُه.

وقال آخر: إنِّي لأفرحُ بالعطاءِ، وأَلْتَذُّ به أعظمَ مما يفرحُ الآخذُ بما يأخذه مني.

  1. (١) ش: «والتصبر».
  2. (٢) بعدها في ش زيادة «المحب».
  3. (٣) «بن حنبل ... تعالى» ساقطة من ت.
107

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي