وهذا صحيحٌ من وجهٍ، فإنَّ المناسبة عِلَّةُ الضَّمِّ شَرْعًا وقدرًا، وشاهِدُ هذا بالاعتبار: أنَّ أحبَّ الأغذية إلى الحيوان ما كان أشبَه بجوهر بدنه، وأكثرَه مناسبةً له، وكلَّما قويت المناسبة بين الغاذي والغذاء كان ميلُ النفس إليه أكثر، وكلَّما بعدت المناسبة حصلت النُّفرةُ عنه، ولا ريبَ أنَّ هذا قَدْرٌ زائدٌ على مجرَّد الحسن والجمال، ولهذا كانت النفوسُ الشريفة الزكيَّةُ العُلْويَّة تعشقُ صفاتِ الكمال بالذَّات، فأحبُّ شيء إليها العلمُ، والشَّجاعةُ، والعفَّةُ، والجودُ، والإحسانُ، والصبر١، والثباتُ؛ لمناسبة هذه الأوصاف لجوهرها، بخلاف النفوس اللئيمة الدنيَّة فإنَّها بِمعْزِلٍ عن محبَّة هذه الصفات، وكثيرٌ من الناس يحملُه على الجود والإحسان فرطُ عشقه ومحبَّتِه له، واللَّذَّةُ التي يجدُها٢ في بذله، كما قال المأمون: لقد حُبِّبَ إليَّ العفوُ حتى خشيتُ ألَّا أُؤْجَر عليه [٢٧ أ].
وقيل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى٣: تعلَّمتَ هذا العلمَ لله؟ فقال: أمَّا لله فعزيز، ولكنْ شيءٌ حُبِّبَ إليَّ، ففعلتُه.
وقال آخر: إنِّي لأفرحُ بالعطاءِ، وأَلْتَذُّ به أعظمَ مما يفرحُ الآخذُ بما يأخذه مني.
تراهُ إذا ما جِئْتَهُ مُتَهَلِّلًاكأنَّك تُعطيه الذي أنتَ سائِلُهْ
وكثيرٌ من الأجواد يعشقُ الجودَ أعظمَ عِشق، فلا يصبِرُ عنه مع حاجته إلى ما يجودُ به، ولا يقبلُ فيه عَذْلَ عاذلٍ، ولا تأخذُه فيه لومةُ لائم، وأما عشَّاق العلم فأعظمُ شَغَفًا به وعشقًا له من كل عاشقٍ بمعشوقِه، وكثيرٌ منهم لايشْغَلُهُ عنه أجملُ صورة من البشر.
وقيل لامرأةِ الزُّبَيْر بن بكَّار - أو غيره ـ: هنيئًا لكِ؛ إذ ليست لك ضَرَّة، فقالت: والله لهذه الكتبُ أضرُّ عليَّ من عِدَّة ضرائرَ!
(١) البيت لأبي الشغب العبسي كما في «الحماسة» (١/ ١٥٤)، و«بهجة المجالس» (١/ ٧٧٣، ٧٧٤). وفي «شرح الحماسة» للتبريزي (١/ ١٤٤): قال أبو عبيدة: الشعر للأقرع بن معاذ القشيري. والقصيدة التي منها هذا البيت بلا نسبة في «أمالي القالي» (٢/ ٣)، وانظر: «سمط اللآلي» (٢/ ٦٢٩، ٦٣٠).
(٢) هو زهير بن أبي سلمى كما في «ديوانه» (ص ١٤٢)، والبيت ليس في «الحماسة»، ولا زهير من شعرائها. نعم نُسِب البيت لعبد الله بن الزَّبير الأسدي ضمن قصيدة له في «الأغاني» (١٤/ ٢٢٧)، وهو من شعراء الحماسة.