تراهُ إذا ما جِئْتَهُ مُتَهَلِّلًاكأنَّك تُعطيه الذي أنتَ سائِلُهْ
وكثيرٌ من الأجواد يعشقُ الجودَ أعظمَ عِشق، فلا يصبِرُ عنه مع حاجته إلى ما يجودُ به، ولا يقبلُ فيه عَذْلَ عاذلٍ، ولا تأخذُه فيه لومةُ لائم، وأما عشَّاق العلم فأعظمُ شَغَفًا به وعشقًا له من كل عاشقٍ بمعشوقِه، وكثيرٌ منهم لايشْغَلُهُ عنه أجملُ صورة من البشر.
وقيل لامرأةِ الزُّبَيْر بن بكَّار - أو غيره ـ: هنيئًا لكِ؛ إذ ليست لك ضَرَّة، فقالت: والله لهذه الكتبُ أضرُّ عليَّ من عِدَّة ضرائرَ!
(١) البيت لأبي الشغب العبسي كما في «الحماسة» (١/ ١٥٤)، و«بهجة المجالس» (١/ ٧٧٣، ٧٧٤). وفي «شرح الحماسة» للتبريزي (١/ ١٤٤): قال أبو عبيدة: الشعر للأقرع بن معاذ القشيري. والقصيدة التي منها هذا البيت بلا نسبة في «أمالي القالي» (٢/ ٣)، وانظر: «سمط اللآلي» (٢/ ٦٢٩، ٦٣٠).
(٢) هو زهير بن أبي سلمى كما في «ديوانه» (ص ١٤٢)، والبيت ليس في «الحماسة»، ولا زهير من شعرائها. نعم نُسِب البيت لعبد الله بن الزَّبير الأسدي ضمن قصيدة له في «الأغاني» (١٤/ ٢٢٧)، وهو من شعراء الحماسة.
وحدثني أخو شيخنا عبد الرحمن بن تيمية عن أبيه، أنه١ قال: كان الجَدُّ إذا دخل الخلاءَ يقول لي: اقرأْ في هذا الكتاب، وارفعْ صوتَك حتى أسمع.
وأعرف مَنْ أصابه مرَضٌ من صُداع، وحُمَّى، وكان الكتابُ عند رأسه، فإذا وجد إفاقةً؛ قرأ فيه، فإذا غُلب؛ وضعَه، فدخل عليه الطبيبُ يومًا وهو كذلك، فقال: إنَّ هذا لا يَحِلُّ لك، فإنَّك تُعِينُ على نفسك، وتكونُ سببًا لفوات مطلوبك.
وحدَّثني شيخنا قال: ابتدأ بي مرضٌ، فقال لي الطبيب: إنَّ مطالعتَك، وكلامَك في العلم يزيدُ المرضَ. فقلت له: لا أصبرُ عن٢ ذلك، وأنا أُحاكمك إلى علمك: أليستِ النفسُ إذا فرحتْ وسُرّت قويت الطبيعةُ، فدفعتِ المرض؟ فقال: بلى! فقلت له: فإنَّ نفسي تُسَرُّ بالعلم، فتقوى به الطبيعة، فأجدُ راحةً. فقال: هذا خارجٌ عن علاجنا، أو كما قال.
فعشقُ صفاتِ الكمال من أنفع العشق وأعلاه، [٢٧ ب] وإنَّما يكونُ بالمناسبة التي بينَ الرُّوح وتلك الصِّفاتِ، ولهذا كان أعلى الأرواح وأشرفُها أعلاها وأشرفها معشوقًا، كما قيل٣: