أنت القتيلُ بكلِّ مَنْ أحْبَبْتَهفاخْتَرْ لنفسِكَ في الهوى مَنْ تَصْطفي
فإذا كانت المحبَّةُ بالمشاكلة والمناسبة ثبتت وتمكَّنت، ولم يُزِلْها إلا مانعٌ أقوى من السَّبب، وإذا لم تكن بالمشاكلة فإنَّما هي محبةٌ لغرضٍ من الأغراض، تزولُ عند انقضائه وتضمحِلُّ. فمن أحبّكَ لأمرٍ ولَّى عند انقضائه، فداعي المحبَّة وباعثُها إن كان غَرَضًا للمحبِّ لم يكن لمحبَّته بقاءٌ، وإن كان أمرًا قائمًا بالمحبوب سريعَ الزوال والانتقال زالت محبَّتُه بزواله، وإن كان صفةً لازمةً له١ فمحبَّتُه باقيةٌ ببقاء داعيها، ما لم يُعارضْه معارضٌ يُوجب زوالَها، وهو إمَّا تغيُّرُ حالٍ في المُحبِّ، أو أذًى من المحبوب، فإنَّ الأذى إما أن يُضْعِفَ المحبَّة، أو يُزِيلَها.
قال٢:
خذي العفوَ منِّي تستديمي مَوَدَّتيولا تَنْطِقي في سَوْرتي حين أغضَبُ
(١) «له» ساقطة من ش.
(٢) البيتان لشريح القاضي في «الوحشيات» (ص ١٨٥)، و«عيون الأخبار» (٣/ ١١)، و«حماسة الظرفاء» (١/ ١٦٣)، ولأبي الأسود الدؤلي في «ديوانه» (ص ٩٦)، و«الأشباه والنظائر» للخالديين (٢/ ٢٧٤)، و«عيون الأخبار» (٤/ ٧٧)، ولأسماء بن خارجة الفزاري في «الأغاني» (١٨/ ١٢٨)، و«الموشي» (ص ١٤٩)، والتذكرة الحمدونية (٣/ ٣٣٩)، ولعامر بن عمرو البكائي في «حماسة» ابن الشجري (ص ٦٤)، والحماسة البصرية (٢/ ٧١).
فإنِّي رأيتُ الحُبَّ في القلبِ والأذىإذا اجتمعا لم يَلْبَثِ الحُبُّ يَذْهَبُ
وهذا موضعٌ انقسمَ المحبُّون فيه قسمين: ففرقةٌ قالت: ليس١ بحبٍّ صحيح ما يزيله الأذى، بل علامَةُ الحبِّ الصَّحيح: أنَّه لا ينقص بالجفوة، ولا يُذهِبه الأذى. قالوا: بل المحب يلتذُّ بأذى محبوبه له، كما قال أبو الشِّيص٢:
وقفَ الهوى بي حَيْثُ أنتِ فليس ليمتَأخَّرٌ عَنْهُ ولا مُتَقَدَّمُ