فإنِّي رأيتُ الحُبَّ في القلبِ والأذىإذا اجتمعا لم يَلْبَثِ الحُبُّ يَذْهَبُ
وهذا موضعٌ انقسمَ المحبُّون فيه قسمين: ففرقةٌ قالت: ليس١ بحبٍّ صحيح ما يزيله الأذى، بل علامَةُ الحبِّ الصَّحيح: أنَّه لا ينقص بالجفوة، ولا يُذهِبه الأذى. قالوا: بل المحب يلتذُّ بأذى محبوبه له، كما قال أبو الشِّيص٢:
وقفَ الهوى بي حَيْثُ أنتِ فليس ليمتَأخَّرٌ عَنْهُ ولا مُتَقَدَّمُ
أَشبهتِ أعدائي فصِرْتُ أُحِبُّهمإذ كان حظِّي منك حظِّي منهمُ
أجدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةًحبًّا لِذكْركِ فلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ
[٢٨ أ] فهذا هو الحبُّ على الحقيقة، فإنَّه متضمنٌ لغاية الموافقة،
(١) ش: «ليست».
(٢) تقدمت هذه الأبيات مع تخريجها.
(٣) ش: «يكرم»، ويُروى بالروايتين كما سبق.
بحيث قد اتَّحَدَ١ مرادُه ومرادُ محبوبه من نفسه، فأهانَ نفسَه موافقةً لإهانةِ محبوبه له، وأحبَّ أعداءَه لمَّا أشبههم محبوبُه في أذاه. وهذا وإن كانت الطِّباع تأْباه؛ لكنه مُوجَبُ الحبِّ التامِّ ومقتضاه.
وقالت فرقةٌ: بل الأذى مزيلٌ للحبِّ، فإنَّ الطِّباعَ مجبولةٌ على كراهة من يُؤذيها، كما أنَّ القلوبَ مجبولةٌ على حبِّ من يُحسِنُ إليها. وما ذكرَه أُولئك فدعوى منهم.
والإنصاف أن يُقال: يجتمعُ٢ في القلب بغضُ أذى الحبيب وكراهتُه ومحبَّتُه من وجهٍ آخر، فيحبُّه ويُبغض أذاه، وهذا هو الواقع، والغالبُ منهما٣ يوازي المغلوبَ ويبقى الحكم له، وقد كشفَ عن هذا المعنى الشاعرُ في قوله٤:
ولو قُلْتِ طَأْ في النَّارِ أَعْلَمُ أنَّهرِضًا لكِ أو مُدْنٍ لنا مِنْ وِصَالِك
لقدَّمتُ رِجْلي نحوَها فَوَطِئْتُهاهُدًى منكِ لي أو ضَلَّةً من ضَلالِك
(١) ش: «ا تخذ».
(٢) ت: «يجمع».
(٣) ش: «منها».
(٤) الأبيات لابن الدُّمينة في «الحماسة» (٢/ ٦٢)، و«ديوانه» (ص ١٧ - ١٨)، وانظر هناك التخريج واختلاف النسبة (ص ٢١٨).