وإنْ ساءَني أن نِلْتِنِي بِمَسَاءةٍفقد سَرَّني أنِّي خَطَرْتُ بِبَالِك
فهذا قد أنصفَ حيث أخبر: أنَّه يسوؤهُ١ أن ينالَه محبوبُه بمساءة، ويسرُّه خطورُه بباله، لا كمن٢ ادَّعى أنَّه يلتذُّ بأذى محبوبه له، فإنَّ هذا خارج عن الطِّباع، اللهمَّ إلا أن يكون ذلك الأذى وسيلةً إلى رضا المحبوب وقربه، فإنَّه يلتذُّ به إذا لاحظ غايتَهُ وعاقبتَه، فهذا يقعُ. وقد أخبرني بعضُ الأطباء قال: إني أَلْتَذُّ بالدواء الكريه إذا علمتُ ما يحصُل به من الشِّفاء، وأضعُه عَلَى لساني، وأَتَرَشَّفُه محبةً له.
ومن هذا التذَاذُ المُحبِّينَ بالمشاقِّ التي تُوصلُهم إلى وصَال محبوبهم وقُربِه، وكلَّما ذكروا روحَ الوصَال، وأنَّ ما هم فيه طريقٌ موصلٌ إليهم؛ لذَّ لهم مُقَاساتُه، وطابَ لهم تحمُّلُه، كما قال٣:
لها أحاديثُ من ذِكْرَاكَ تشْغَلُهَاعن الشَّرابِ وتُلْهيها عن الزَّاد
(١) ش: «يسره» تحريف.
(٢) ش: «لكن».
(٣) الأبيات لإدريس بن أبي حفصة في «ديوان المعاني» (١/ ٦٣)، و«مجموعة المعاني» (ص ٩٥)، و«زهر الآداب» (١/ ٥٠٧، ٥٠٨)، و«الحماسة البصرية» (١/ ١٥٧). وتُنسب لمروان بن أبي حفصة في «ديوانه» (ص ٥٣).
لها بوجهِكَ نورٌ تستضيءُ بهومِن حَدِيثكَ في أعْقَابِهَا حادِي
إذا شَكَتْ من كَلالِ السَّيْرِ أوعَدَهارَوْحُ اللقاء فتَقوى عندَ ميعاد
والمقصودُ أنَّ المحبَّة تستدعي مشاكلةً ومناسبةً.
وقد ذكرَ الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمه الله تعالى١ ــ في مسنده٢ من حديث عائشة ﵂: أنَّ امرأةً كانت تدخلُ على قريش، فتُضحكُهم، فقدمتِ المدينة، فنزلتْ على امرأةٍ تُضْحِكُ النَّاسَ، فقال النَّبيُّ ﷺ: «على مَنْ نزلتْ فلانة؟» فقالت: على فلانَةَ المُضْحِكَة، فقال: «الأرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعارَفَ مِنْها ائْتَلَفَ، ومَا تَنَاكَر مِنْها اخْتَلَف». وأصلُ الحديث في الصحيح٣.
(١) «بن ... تعالى» ساقطة من ت.
(٢) لم أجده في المسند. وبهذا السياق أخرجه الخرائطي في «اعتلال القلوب» (ص ٢١٦) من طريق علي بن أبي علي اللهبي عن الزهري عن عروة عن عائشة. وعلي له مناكير كما قال أحمد، وقال أبو حاتم والنسائي: متروك، وقال ابن معين: ليس بشيء. انظر: «ميزان الاعتدال» (٣/ ١٤٧).
(٣) أصل الحديث دون ذكر القصة أخرجه البخاري (٣٣٣٦) تعليقًا، ووصله في «الأدب المفرد» (٩٠٠) من حديث عائشة، وأخرجه مسلم (٢٦٣٨)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٩٠١) من حديث أبي هريرة.