راحةً، ففرحْتُ طمعًا أن يكون الله ﷾ شفاه، ثم دعا بدواةٍ، فكتب إلى محبوبه١:
إنِّي حُمِمْتُ ولم أشعُرْ بِحُمَّاكحتى تحدَّثَ عُوَّادِي بشكواكِ [٢٩ أ]
فقلتُ ما كانتِ الحُمَّى لِتَطْرُقَنِيْمِن غيرِ ما سَبَبٍ إلا لِحُمَّاك
وخَصْلَةٍ كنتُ فيها غيرَ مُتَّهَمٍعافانيَ اللهُ منها حينَ عافاك
حتى إذا اتفقت نفسي ونفسك فيهذا وذاك وفي هذا وفي ذاكِ٢
ويُحْكى٣ أنَّ رجلًا مرِضَ مَن يُحِبُّه، فعادَه المحبُّ، فمرضَ من وقته، فعوفيَ محبوبُه، فجاءَ يعودُه، فلما رآه عُوفي من وقته، وأنشد٤:
(١) الأبيات لأبي نواس في «ديوانه» (ص ٢٩٩) مفتوحة القافية، وكما هنا في «ديوان الصبابة» (ص ٦٨)، و«تزيين الأسواق» (١/ ٦١ - ٦٢)، و«الواضح المبين» (ص ٥٤).
(٢) هذا البيت ساقط من ش. وجواب «إذا» في البيت التالي في الديوان.
(٣) الخبر في «الواضح المبين» (ص ٥٤).
(٤) الشعر للشافعي في القسم المنسوب له في «ديوانه» (ص ١٣٩)، و«الواضح المبين» (ص ٥٤)، و«تزيين الأسواق» (١/ ٦٢). وبلا نسبة في «العقد الفريد» (٢/ ٤٥٠)، و«حماسة الظرفاء» (٢/ ٩٠).
وأنت إذا تأمَّلْتَ الوجودَ؛ لا تكاد تجد اثنين يتحابَّان إلا وبينهما مشاكلةٌ، أو اتفاقٌ في فعلٍ أو حالٍ أو مَقْصِدٍ، فإذا تباينت المقاصدُ والأوصافُ والأفعالُ والطرائقُ لم يكن هناك إلا النُّفْرَةُ والبعدُ بين القلوب، ويكفي في هذا الحديثُ الصحيح عن رسول الله ﷺ: «مَثَلُ المُؤمِنينَ في توادِّهمْ، وترَاحُمِهِمْ، وتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَل الجَسَدِ الْوَاحِد، إذا اشْتَكى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعى له سائرُ الجسدِ بالحُمَّى والسَّهَر»١.
فإن قيل: فهذا الذي ذَكرتم يقتضي أنَّه إذا أحبَّ شخصٌ شخصًا أن٢ يكونَ الآخرُ يحبُّه فيشتركان في المحبَّة، والواقعُ يشهدُ بخلافه، فكم من محبٍّ غير محبوب، بل بسيف البغض مضروب.
قيل٣: قد اختلفَ الناس في جواب هذا السؤال، فأما أبو محمد بن حزم فإنَّه قال٤: الذي أذهبُ إليه أنَّ العشقَ اتصالٌ بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخلقة في أصل عُنْصُرها الرفيع، لا على ما حكاه
(١) أخرجه البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير.