روضة المحبين
مَرِضَ الْحَبيبُ فَعُدْتُهفمَرِضْتُ مِنْ حَذَرِي عليهِ
وأتى الحبيبُ يَعُودُونيفبرئتُ مِنْ نَظري إلَيْه

وأنت إذا تأمَّلْتَ الوجودَ؛ لا تكاد تجد اثنين يتحابَّان إلا وبينهما مشاكلةٌ، أو اتفاقٌ في فعلٍ أو حالٍ أو مَقْصِدٍ، فإذا تباينت المقاصدُ والأوصافُ والأفعالُ والطرائقُ لم يكن هناك إلا النُّفْرَةُ والبعدُ بين القلوب، ويكفي في هذا الحديثُ الصحيح عن رسول الله ﷺ: «مَثَلُ المُؤمِنينَ في توادِّهمْ، وترَاحُمِهِمْ، وتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَل الجَسَدِ الْوَاحِد، إذا اشْتَكى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعى له سائرُ الجسدِ بالحُمَّى والسَّهَر»١.

فإن قيل: فهذا الذي ذَكرتم يقتضي أنَّه إذا أحبَّ شخصٌ شخصًا أن٢ يكونَ الآخرُ يحبُّه فيشتركان في المحبَّة، والواقعُ يشهدُ بخلافه، فكم من محبٍّ غير محبوب، بل بسيف البغض مضروب.

قيل٣: قد اختلفَ الناس في جواب هذا السؤال، فأما أبو محمد بن حزم فإنَّه قال٤: الذي أذهبُ إليه أنَّ العشقَ اتصالٌ بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخلقة في أصل عُنْصُرها الرفيع، لا على ما حكاه

  1. (١) أخرجه البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير.
  2. (٢) ش: «إلا أن».
  3. (٣) ش: «فقيل».
  4. (٤) «طوق الحمامة» (ص ٢١).
117

محمَّد بن داود١ عن بعض أهلِ الفلسفة أن الأرواح أُكَرٌ٢ مقسومةٌ، لكن على سبيل مناسبةِ قواها في مَقَرِّ عالَمها العُلويِّ، ومجاورتها في هيئة تركيبها.

وقد علمنا أن سرَّ٣ التمازج والتباين في المخلوقات إنَّما هو الاتصال والانفصال، فالشكلُ دائمًا٤ يستدعي شكلَه، والمثلُ إلى مثله ساكنٌ. وللمجانسة [٢٩ ب] عملٌ محسوس، وتأْثيرٌ مشاهد.

والتنافُرُ في الأضداد، والموافقةُ في الأنداد، والنِّزاعُ فيما تشابَه موجود بيننا، فكيف بالنفس وعالَمُها العالمُ الصَّافي الخفيف، وجوهرُها الجوهرُ الصَّعَّاد المعتدلُ، وسِنْخُها المُهَيَّأُ لقَبول الاتفاق والميل والتَّوْق، والانحراف والشهوة والنِّفار؟ والله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف/ ١٨٩]، فجعل عِلَّةَ السكُون أنَّها منه، ولو كان عِلَّةَ الحبِّ حسنُ الصورة الجسدية لوجبَ ألا يُسْتَحْسَنَ الأنقصُ٥ من الصُّور، ونحن نجد كثيرًا ممن يُؤْثِرُ الأدنى ويعلمُ فضل غيره، ولا يجدُ محيدًا لقلبه عنه، ولو كان للموافقة في الأخلاق لما

  1. (١) انظر: «الزهرة» (١/ ٥٣).
  2. (٢) «أكر» ساقطة من ت.
  3. (٣) ت: «شر» تصحيف.
  4. (٤) ش: «إنما». وفي «طوق الحمامة»: «دأبا».
  5. (٥) ش: «إلا بعض» تحريف.
118

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي