أحبَّ المرءُ من لا يُساعدهُ ولا يُوافقه، فعلمنا أنَّه شيءٌ في ذات النفس، وربما كانت المحبَّةُ لسببٍ من الأسباب، وتلك تفنى بفناء سببها.
قال١: ومما يؤكِّد٢ هذا القول أنَّنا قد علمنا أنَّ المحبَّة ضُروب، فأفضلُها محبَّةُ المتحابِّين في الله، إمَّا لاجتهادٍ في العمل، وإمَّا لاتفاق في أصل المذهب، وإمَّا لفضل علمٍ يُمْنَحُه الإنسانُ. ومحبَّةُ القرابة، ومحبَّةُ الألفة والاشتراك في المطالب، ومحبَّةُ التَّصاحُب والمعرفة، ومحبَّةٌ لبرٍّ يضعهُ المرء٣ عند أخيه، ومحبَّةٌ لطمعٍ في جاه المحبوب، ومحبَّةُ المتحابَّيْن لسرٍّ يجتمعان عليه يلزمهما سَتْرُه، ومحبَّةٌ لبلوغ اللَّذَّة وقضاء الوَطَرِ، ومحبَّةُ العشق التي لا عِلَّةَ لها إلا ما ذكرنا من اتصال٤ النفوس.
وكلُّ هذه الأجناس فمنقضيةٌ مع انقضاء عِلَلها، وزائدةٌ بزيادتها، وناقصةٌ بنقصانها، متأكِّدَةٌ بدُنوِّها، فاترةٌ٥ ببعدها، حاشا محبَّةِ العشق الصَّحيح المُتمكِّن من النفس.
ثم أورَدَ هذا السُّؤال، قال٦: والجوابُ: أنَّ نفسَ الذي لا يحبُّ من
(١) «طوق الحمامة» (ص ٢٢).
(٢) ت: «يؤيد».
(٣) ت: «العبد».
(٤) «اتصال» ساقطة من ش.
(٥) ت: «فائزة» تحريف.
(٦) طوق الحمامة (ص ٢٢).
يُحبه مُكْتَنِفَةُ الجهات ببعض الأعراض الساترة، والْحُجُب المحيطة بها من الطبائع الأرضية، فلم تُحِسَّ بالجزء الذي كان متصلًا بها قبل حلولها حيث هي، ولو تخلَّصت لاستويا١ في الاتصال والمحبَّة٢.
ونفس [٣٠ أ] المحبِّ متخلِّصةٌ عالمةٌ بمكان ما كان يَشْرَكُها في المجاورة، طالبةٌ له، قاصدةٌ إليه، باحثة عنه، مشتهيةٌ لملاقاته، جاذبةٌ له لو أمكنها كالمِغْنَاطِيس والحديد، وكالنَّار في الحجر٣.
وأجابت طائفةٌ أخرى: أنَّ الأرواح خُلِقتْ على هيئة الكُرة، ثُم قُسِمت، فأيُّ رُوحين تَلاقَتا هناك وتجاورتا؛ تآلفتا في هذا العالم، وتحابَّتا، وإن تنافرتا هناك تنافرتا هنا، وإن تآلفتا من وجهٍ وتنافرتا من وجهٍ؛ كانتا كذلك ها هنا.
وهذا الجواب مبنيٌّ على الأصل الفاسد الذي أصَّله هؤلاء: أنَّ الأرواح موجودةٌ قبل الأجساد، وأنَّها كانت متعارفةً متجاورة هناك، تتلاقى وتتعارف، وهذا خطأ، بل الصَّحيح الذي دلَّ عليه الشرعُ والعقلُ: أنَّ الأرواحَ مخلوقةٌ مع الأجساد، وأن الملك المُوَكَّل بنفخ الرُّوح في الجسد ينفُخ فيه الرُّوح إذا مضى على النطفة أربعةُ أشهر، ودخلتْ في الخامس، وذلك أوَّل حدوثِ الرُّوح فيه.