روضة المحبين
إنَّ التي زَعمت فؤادك ملَّهاخُلِقَتْ هواكَ كما خُلِقْتَ هوىً لها [٣١ أ]
فبك الذي زعمتْ بها فكلاكُماأبدى لصاحبِه الصَّبابةَ كلَّها

فإذا تشاكلت النفوس وتمازجت الأرواح وتفاعلت؛ تفاعلت عنها الأبدان، وطلبت نظير الامتزاج والجوار الذي بين الأرواح، فإن البدن آلة الرُّوح ومَركَبُه، وبهذا ركَّب الله سبحانه شهوة الجماع بين الذكر والأنثى طلبًا للامتزاج والاختلاط بين البدنين، كما هو بين الرُّوحين، ولهذا يُسمَّى جماعًا وخِلاطًا ونكاحًا وإفضاء؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما يُفضي إلى صاحبه، فيزول الفضاءُ بينهما.

فإن قيل: فهذا يُوجِب تأكُّد الحبِّ بالجماع وقوّتَه به، والواقعُ خلافه، فإنَّ الجماع يُطْفِئ نارَ المحبَّة، ويُبَرِّد حرارتَها، ويُسكِّن نفس المحبِّ.

قيل: الناس مختلفون في هذا، فمنهم من يكون بعد الجماع أقوى محبَّةً، وأمكنَ وأثبت ممَّا قبله، ويكون بمنزلة من وُصف له شيء ملائمٌ، فأحبَّه، فلمَّا ذاقه كان له أشدَّ محبَّة، وإليه أشدَّ اشتياقًا.

وقد ثبت في الصحيح١ عن النبي ﷺ في حديث عروج الملائكة

  1. (١) أخرجه البخاري (٦٤٠٨)، ومسلم (٢٦٨٩) من حديث أبي هريرة.
124

إلى ربِّهم، أنه سبحانه يسألهم عن عباده ــ وهو أعلم بهم ــ فيقولون: «إنهم يُسبِّحونكَ، ويُمجِّدونك١، ويقدّسونك، فيقول: وهل رأوني؟ فيقولون: لا، فيقول: فكيف لو رأوني؟ فتقولُ الملائكة: لو رأوك لكانوا أشدَّ تسبيحًا وتقديسًا وتمجيدًا، ثم يقولون: ويسألونك الجنَّة، فيقولُ: وهل رأوها؟ فيقولون: لا، فيقولُ: فكيف لو رأوها؟ فتقولُ الملائكة: لو رأوها لكانوا أشدَّ لها طلبًا» وذكر الحديث.

ومعلومٌ: أنَّ محبةَ من ذاق الشيء الملائمَ وعَدِمَ صَبْرَه عنه أقوى من محبة من لم يَذُقْهُ، بل نفسه مفطومة٢ عنه، والمودَّةُ التي بين الزوجين والمحبةُ بعد الْجماع أعظمُ من التي كانت قبله.

والسببُ الطبيعي أنَّ شهوةَ القلب ممتزجةٌ بلذَّة العين، فإذا رأتِ العينُ اشتهى القلبُ، فإذا باشر الجسمُ الجسمَ؛ اجتمعَ [٣١ ب] شهوةُ القلب ولذَّة العين ولذة المباشرة، فإذا فارق هذه الحال كان نِزَاعُ نفسه إليها أشدَّ، وشوقُه إليها أعظمَ، كما قيل٣:

  1. (١) ش: «ويحمدونك».
  2. (٢) ت: «منطوية».
  3. (٣) البيت لإسحاق بن إبراهيم الموصلي في «الموشح» (ص ٢٧١)، و«معجم الأدباء» (٢/ ٦٠٥)، و«نهاية الأرب» (٣/ ٨٨)، و«بغية الطلب» (٢/ ٢٣٧). وقد غيَّر الشاعر لما عِيبَ عليه الشطر الأول وقال:
    وكل مسافرٍ يزداد شوقًا ... =
    = ... وهو بهذه الرواية في «عيون الأخبار» (١/ ١٤١)، و«أمالي القالي» (١/ ٥٥)، و«الأغاني» (٩/ ٣٨٥)، و«زهر الآداب» (١/ ٥١٠)، و«التمثيل والمحاضرة» (ص ٩٠).
125

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي