روضة المحبين

وقيل لبعض الأعراب: ما ينالُ أحدُكم من عشيقته إذا خلا بها؟ قال: اللَّمس، والقُبَل، وما يشاكلها١. قال: فهل يتطاولان إلى الجماع؟ فقال: بأبي وأُمي ليس هذا بعاشقٍ! هذا طالبُ ولد.

ويُحكى٢: أنَّ رجلًا عشقَ امرأةً، فقالت له يومًا: أنت صحيحُ الحبِّ غير سقيمه ــ وكانوا يُسَمُّون الحبَّ على الخنا: الحبَّ السقيم ــ فقال: نعم، فقالت: اذهبْ بنا إلى المنزل، فما هو إلا أن حَصَلَتْ في منزله، فلم يكن له نَهْمةٌ٣ غيرَ جماعها، فقالت له وهو كذلك:

أسرفتَ في وطئنا والوَطءُ مَقْطَعَةٌفارفُقْ بنفسِكَ إنَّ الرِّفْقَ محمودُ

فقال لها وهو على حاله:

لَوْ لَمْ أطأكِ لما دامتْ محبَّتُنالكنَّ فِعْلِيَ هذا فعلُ مجهُود

فنفرت مِنْ تحته، وقالت: يا خبيثُ أراكَ خلافَ ما قلتَ مِنْ صحَّة الحبِّ، ولم تجعل جماعي إلا سببًا لذهاب حبِّك، والله لا ضمَّني وإياك سقفٌ أبدًا! وسيأتي تمامُ الكلام في هذا في باب عفاف المحبين، إن شاء الله تعالى.

  1. (١) ت: «يشاكلهما».
  2. (٢) الخبر مع الشعر في «الواضح المبين» (ص ٨٧)، و«ديوان الصبابة» (ص ٢٠٨ - ٢٠٩).
  3. (٣) ش: «همة».
141

وفصل الخطاب بين الفريقين أنَّ الجماعَ [٣٥ أ] الحرامَ يُفسِدُ الحبَّ، ولابدَّ أن تنتهيَ المحبَّةُ بينهما إلى المعاداة والتباغُض والقِلى، كما هو مشاهَدٌ بالعيَانِ، فكلُّ محبَّةٍ لغير الله آخرُها قِلًى وبغضٌ فكيف إذا قارنَها ما هو من أكبر الكبائر؟ وهذه عداوةٌ بين يدَي العداوة الكبرى التي قال الله تعالى فيها: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف/ ٦٧]. وسنذكر١ إن شاء الله تعالى مَنْ ظَفِرَ بمحبوبه، وترك قضاء وَطَرِه منه رغبةً في بقاء محبَّته، وخشية أن تنقلب قِلًى وبغضًا٢، في الباب٣ الموعود به؛ فإنَّ ذلك أليقُ به.

وأمَّا الجماعُ المباحُ فإنَّه يزيدُ الحبَّ؛ إذا صادفَ مرادَ المحبِّ، فإنَّه إذا ذاق لذَّته وطَعْمَه؛ أوجب له ذلك رغبةً أُخرى لم تكن حاصلةً قبل الذَّوق. ولهذا لا يكاد البِكْران يصبرُ أحدُهما عن الآخر، هذا ما لم يَعْرِض للحبِّ ما يُفسده، ويُوجب نقلَه إلى غيرِ المحبوب.

وأمَّا ما احتجَّ به الآخرون فجوابُه: أنَّ الشهوةَ والإرادة٤ لم تُطْفَأْ نارُها بالكليَّة، بل فترت شهوةُ ذلك الوقت، ثم تعودُ أمثالها٥، وإنَّما

  1. (١) ت: «سيذكر».
  2. (٢) ت: «بعضة».
  3. (٣) «الباب» ساقطة من ت.
  4. (٤) ت: «اللذاذة».
  5. (٥) ت: «آمالها».
142

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي