روضة المحبين

وفصل الخطاب بين الفريقين أنَّ الجماعَ [٣٥ أ] الحرامَ يُفسِدُ الحبَّ، ولابدَّ أن تنتهيَ المحبَّةُ بينهما إلى المعاداة والتباغُض والقِلى، كما هو مشاهَدٌ بالعيَانِ، فكلُّ محبَّةٍ لغير الله آخرُها قِلًى وبغضٌ فكيف إذا قارنَها ما هو من أكبر الكبائر؟ وهذه عداوةٌ بين يدَي العداوة الكبرى التي قال الله تعالى فيها: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف/ ٦٧]. وسنذكر١ إن شاء الله تعالى مَنْ ظَفِرَ بمحبوبه، وترك قضاء وَطَرِه منه رغبةً في بقاء محبَّته، وخشية أن تنقلب قِلًى وبغضًا٢، في الباب٣ الموعود به؛ فإنَّ ذلك أليقُ به.

وأمَّا الجماعُ المباحُ فإنَّه يزيدُ الحبَّ؛ إذا صادفَ مرادَ المحبِّ، فإنَّه إذا ذاق لذَّته وطَعْمَه؛ أوجب له ذلك رغبةً أُخرى لم تكن حاصلةً قبل الذَّوق. ولهذا لا يكاد البِكْران يصبرُ أحدُهما عن الآخر، هذا ما لم يَعْرِض للحبِّ ما يُفسده، ويُوجب نقلَه إلى غيرِ المحبوب.

وأمَّا ما احتجَّ به الآخرون فجوابُه: أنَّ الشهوةَ والإرادة٤ لم تُطْفَأْ نارُها بالكليَّة، بل فترت شهوةُ ذلك الوقت، ثم تعودُ أمثالها٥، وإنَّما

  1. (١) ت: «سيذكر».
  2. (٢) ت: «بعضة».
  3. (٣) «الباب» ساقطة من ت.
  4. (٤) ت: «اللذاذة».
  5. (٥) ت: «آمالها».
142

يظهر١ هذا إذا غابَ أحدُهما عن حبيبه، وإلا فما دامَ بمرأًى منه وهو قادرٌ عليه متى٢ أحبَّ؛ فإنَّ النفسَ تسْكُن بذلك، وتطمئنُّ به، وهذا حالُ كلِّ مَنْ كان بحضرته ما يحتاج إليه من طعام وشرابٍ ولباسٍ، وهو قادرٌ عليه، فإنَّ نفسَه تسكُن عنده، فإذا حيل بينه وبينه اشتدَّ طلبُه له، ونِزاعُ نفسه إليه، على أنَّ المحبَّ للشيء متى أفرطَ في تناوُل محبوبه؛ نَفَرَتْ نفسُه منه، وربَّما انقلبتْ محبّتُهُ كراهةً. وسيأتي مَزِيدُ بيانٍ لهذا في باب سُلُوِّ المحبِّين إن شاء الله تعالى.

فصل

وداعي الحبِّ من المحبوب جمالُه، إمَّا الظاهرُ أو الباطنُ أو هما معًا، فمتى كان جميلَ الصُّورة، جميلَ الأخلاق والشِّيم والأوصاف؛ كان الدَّاعي منه أقوى. وداعي الحبِّ مِنَ المُحبِّ أربعة أشياء:

أوّلُها: النظر إمَّا بالعين، أو بالقلب إذا وُصف له، فكثيرٌ من الناس يحبُّ غيرَه ويفنى [٣٥ ب] فيه محبَّةً وما رآه، لكن وُصِفَ له.

ولهذا نهى النبي ﷺ المرْأَة أن تَنْعَتَ المَرْأَةَ لِزَوْجِهَا، حتَّى كأنَّه يَنْظُرُ إلَيْهَا. والحديث في الصَّحيح٣.

  1. (١) ت: «نظير».
  2. (٢) ت: «ممن».
  3. (٣) أخرجه البخاري (٥٢٤٠، ٥٢٤١) من حديث عبد الله بن مسعود.
143

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي