روضة المحبين

وفي الصحيح١ عنه ﷺ أنَّه قال: «إن الله ﷿ كتب على ابن آدم حَظَّهُ من الزِّنَى، أدْرَك ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فالعَيْنُ تَزْنِي، وَزِنَاهَا النَّظَرُ، واللِّسَانُ يَزْني، وزِنَاهُ النُّطْقُ، والرِّجْلُ تَزْنِي، وَزِنَاهَا الخُطَا، واليَدُ تَزْنِي، وزِنَاهَا البَطْشُ، والقَلْبُ يَهْوَى ويَتَمنَّى، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذلِك أوْ يُكَذِّبُه».

فبدأ بزنى العينِ؛ لأنَّه أصلُ زنى اليد والرِّجل والقلبِ والفَرْج، ونبَّه بزنى اللسان بالكلام على زنى الفم بالقُبَل، وجعلَ الفرجَ مُصدِّقًا لذلك إن حقَّق الفعلَ، أو مكذبًا له إن لم يُحَقِّقْهُ.

وهذا الحديث من أبين الأشياء على أنَّ العينَ تعصي بالنظر، وأنَّ ذلك زناها، ففيه ردٌّ على مَنْ أباح النظر مطلقًا.

وثبت عنه ﷺ أنَّه قال: «يا عَليُّ لا تُتْبعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَة، فإنَّ٢ لك الأُولى، ولَيْسَتْ لكَ الثَّانِيَة»٣.

ووقعت [٣٦ ب] مسألة: ما تقولُ السَّادة العلماء٤ في رجلٍ نظرَ إلى امرأةٍ نظرةً، فعلقَ حبُّها بقلبه، واشتدَّ عليه الأمر، فقالت له نفسه: هذا كلُّه

  1. (١) أخرجه البخاري (٦٢٤٣)، ومسلم (٢٦٥٧) من حديث أبي هريرة.
  2. (٢) ت: «فإنما».
  3. (٣) أخرجه أحمد (٥/ ٣٥١، ٣٥٣، ٣٥٧)، وأبوداود (٢١٤٩)، والترمذي (٢٧٧٧) من حديث بريدة، وهو حديث حسن.
  4. (٤) ت: «الفقهاء».
147

من أوَّل نظرةٍ، فلو أعَدْتَ النظرَ إليها لرأيتَها دون ما في نفسكَ، فسلوتَ عنها، فهل يجوزُ له تعمُّد النظر ثانيًا لهذا المعنى؟

فكان الجواب: الحمد لله، لا يجوز هذا لعشرة أوْجُهٍ:

أحدها: أنَّ الله سبحانه أمر بغضِّ البصر، ولم يجعلْ شفاءَ القلب فيما حرَّمه على العبد.

الثاني: أنَّ النبيَّ ﷺ سُئل عن نظر الفَجْأَة، وقد علم أنه يُؤثِّر في القلب فأمرَ بمداواتِه بصرف البصر، لا بتكرار النَّظر.

الثالث: أنَّه صرَّح بأن الأولى له، وليست له الثانية، ومحالٌ أن يكونَ داؤه ممَّا له، ودواؤه ممّا ليس له.

الرابع: أنَّ الظَّاهر قوةُ الأمر بالنظرة الثانية لا تَناقُصُه، والتجربةُ شاهدةٌ به، والظَّاهر أنَّ الأمرَ كما رآه أولَ مرَّةٍ، فلا تحسنُ المخاطرة بالإعادة.

الخامس: أنَّه ربما رأى ما هو فوق الذي في نفسه، فزادَ عذابُه.

السادس: أنَّ إبليسَ عند قصده للنظرة الثانية يقوم في ركائبه، فيزيِّن له ما ليس بحسن لِتَتِمَّ البلية.

السابع: أنَّه لا يُعانُ على بَليَّتِه إذا أعرضَ عن امتثال أوامر الشرع، وتداوى بما حرَّمه عليه، بل هو جديرٌ أن تتخلَّفَ عنه المعونة.

الثامن: أنَّ النظرة الأولى سهمٌ مسمومٌ من سهام إبليس، ومعلومٌ أنَّ الثانية أشدُّ سُمًّا، فكيف يتداوى من السُّمِّ بالسُّمِّ؟

148

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي