والسَّبَبُ في هذا أنَّ الناظر التذَّت عينُه بأوَّل نظرةٍ، فطلبتِ المعاودة، كأكل الطعام اللذيذ إذا تناول منه لقمةً، ولو أنَّه غضَّ أوَّلًا؛ لاستراح قلبُه، وسَلِم.
وتأمَّل قول النبي ﷺ: «النظرة سهْمٌ مَسْمُومٌ من سهام إبليس»١، فإن السَّهْم٢ شأْنُه أن يسري في القلب، فيعمل فيه عمل السُّمِّ٣ الذي يُسقاه المسموم، فإن بادر واستفرَغه، وإلا قتله ولابدَّ.
قال المرُّوذي٤: قلت لأحمد: الرجلُ ينظرُ إلى المملوكة؟ قال: أخافُ عليه٥ الفتنة، كم نظرةٍ قد ألقتْ في قلبِ صاحبها البلابل!.
وقال ابن عباس٦: الشيطان من الرَّجل في ثلاثة: في بصره٧،
(١) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٤/ ٣١٤)، والخرائطي في «اعتلال القلوب» (ص ١٤٣) من حديث عبد الرحمن بن إسحاق عن محارب بن دثار عن صلة بن زفر عن حذيفة. وقال: صحيح. وتعقبه الذهبي بقوله: إسحاق بن عبد الواحد واهٍ، وعبد الرحمن الواسطي ضعفوه.
(٢) ش: «السم».
(٣) ش: «السهم».
(٤) أخرج من طريقه ابن الجوزي في «ذم الهوى» (ص ٩٣).
(٥) ش: «إن خاف عليه».
(٦) أخرجه وكيع في «الزهد» (٣/ ٤٨٥)، وهناد في «الزهد» (٢/ ١٤٢٦)، ومن طريقه ابن الجوزي في «ذم الهوى» (ص ٩٢).
(٧) ش: «نظره».
وقلبه، وذكره، وهو من المرأة في ثلاثة: في بصرها، وقلبها، وعجُزِها.
فصل
ولمَّا كان النظرُ من أقرب الوسائل إلى المحرَّم اقتضت الشَّريعة تحريمه، وأباحَتْه في موضع الحاجة.
وهذا شأن كلِّ ما حُرِّم تحريمَ١ الوسائل، فإنَّه يُباح للمصلحة الراجحة [٣٧ ب]، كما حُرِّمت الصَّلاة في أوقات النهي؛ لئلا تكون وسيلة إلى التشبُّه بالكفَّار في سجودهم للشَّمس، وأُبيحت للمصلحة الرَّاجحة، كقضاءِ الفوائت، وصلاة الجنازة، وفعل ذوات الأسباب على الصَّحيح.
وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل٢ عن النبي ﷺ: أنَّه قال: «النظرةُ سهمٌ مسمومٌ من سهام إبْليس، فمن غَضَّ بَصَرَهُ عن محاسن امْرَأَةٍ؛ أوْرَثَ الله قلبَهُ حلاوةً يجِدُها إلى يوم يَلْقَاهُ»، أو كما قال.
وقال جريرُ بن عبد الله ﵄: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفَجْأَة، فأمرني أن أصرف بصري٣.
(١) ت: «بتحريم».
(٢) لم أجده في «المسند»، وهو الحديث الذي سبق تخريجه قريبًا. وقد أخرجه أيضًا الطبراني في «المعجم الكبير» (١٠٣٦٣) من حديث ابن مسعود، وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف.