ونظرةُ الفَجْأة: هي النظرةُ الأولى؛ التي تقع بغير قصدٍ من الناظر، فما لم يَعْتَمدْه القلبُ؛ لا يُعاقب عليه، فإذا نظر الثانية تعمُّدًا؛ أَثِمَ، فأمرَه النبي ﷺ عند نظرة الفجأة أن يَصْرِفَ بصرَه، ولا يستديم النظر، فإنَّ استدامته كتكريره، وأرشد من ابْتُلي بنظرة الفَجْأة أن يداويه بإتيان امرأته، وقال: «إنَّ معَها مِثْل الّذي معها»١ فإن في ذلك التسلِّي عن المطلوب بجنسه.
والثاني: أن النظر يثير قوَّة الشَّهوة، فأمره بتنقيصها بإتيان أهله، ففتنة النظر أصلُ كلِّ فتنةٍ، كما ثبت في الصَّحيح٢ من حديث أُسامة بن زيد ﵄: أنَّ النبي ﷺ قال: «ما تركتُ بَعْدِي فتنةً أضَرَّ على الرِّجالِ من النِّساء».
وفي صحيح مسلم٣ من حديث أبي سعيد الخُدْري ﵁ عن النبي ﷺ: «اتَّقوا الدُّنْيَا، واتَّقُوا النِّساء».
وفي مسند محمد بن إسحاق السَّراج٤ من حديث علي بن أبي
(١) أخرجه مسلم (١٤٠٣) من حديث جابر بن عبد الله.
(٢) أخرجه البخاري (٥٠٩٦)، ومسلم (٢٧٤٠).
(٣) رقم (٢٧٤٢).
(٤) لم أجده في المطبوع منه وهو ناقص، ومن طريقه أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١٤/ ٧٩)، وابن الجوزي في «ذم الهوى» (ص ١٥٥، ١٥٦)، وأخرجه أيضًا الخرائطي في «اعتلال القلوب» (ص ١٢١). وفي إسناده موسى بن هلال النخعي وهو ضعيف.
طالب ﵁ عن النبي ﷺ: «أَخْوَفُ ما أَخافُ على أُمَّتي النساءُ والخَمْرُ».
وقال ابن عباس ﵄: لم يكفُر مَنْ كفر ممَّن مضى إلا من قِبَلِ النساءِ، وكفرُ من بقي مِنْ قِبَل النساء.
فصل
وفي غضِّ البصر عِدَّة فوائد١:
أحدُها: تخليصُ القلب من ألمِ الحَسْرة، فإنَّ مَنْ أطلق نظرَه دامت حسرتُه؛ فأضرُّ شيءٍ على القلب إرسالُ البصر، فإنَّه يُريه ما يشتدُّ طلبُه، ولا صبرَ له عنه، ولا وصولَ له إليه، [٣٨ أ] وذلك غايةُ ألمه وعذابه. قال الأصمعي٢: رأيت جاريةً في الطَّواف، كأنَّها مَهَاةٌ، فجعلتُ أنظر إليها، وأملأُ عيني من محاسنها، فقالت لي: يا هذا! ما شأنُكَ؟ قلت: وما عليكِ من النَّظر؟ فأنشأتْ تقول:
(١) ذكر شيخ الإسلام ثلاث فوائد منها في «مجموع الفتاوى» (١٥/ ٤٢٠ - ٤٢٧، وتكرر ذكرها في ٢١/ ٢٥٢ - ٢٥٩)، وقد أدرجها المؤلف في كلامه هنا.
(٢) أخرج عنه الخرائطي في «اعتلال القلوب» (ص ١٤٣). والشعر بلا نسبة في «عيون الأخبار» (٤/ ٢٢)، و«الزهرة» (١/ ٤٥)، و«حماسة» أبي تمام (٢/ ١٥)، و«بهجة المجالس» (٢/ ٢١)، و«مصارع العشاق» (٢/ ١٩٤)، و«منازل الأحباب» (ص ٢٩٩)، و«ديوان الصبابة» (ص ٨٨)، و«الحماسة البصرية» (٢/ ١٢١).