ألم أقُل لك لا تَسْرقْ ملاحظةًفسارقُ اللَّحْظِ لا ينجُو مِن الدَّرَكِ
نصبتُ طَرْفي له لمَّا بدا شركًافكانَ قَلْبِي أوْلى منه بالشَّرك
الفائدة الثانية: أنه يُورِثُ القلبَ نورًا وإشراقًا يظهر في العين، وفي الوجه والجوارح، كما أنَّ إطلاقَ البصر يُورثه ظلمةً تظهر في وجهه وجوارِحه. ولهذا - والله أعلم - ذكر الله سبحانه أنه١ النُّور في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[النور/٣٥] عقيب قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾[النور/٣٠] وجاءَ الحديثُ مطابقًا لهذا، حتى كأنَّه مشتقٌّ منه، وهو قوله: «النَّظرة سهمٌ مسمومٌ من سهام إبليس، فمن غضَّ بصره عن محاسن امرأةٍ أورثَ الله قَلْبَه نُورًا»٢ الحديث.
الفائدة الثالثة: أنَّه يُورث صحَّةَ الفِراسة [٣٩ ب]، فإنَّها من النُّور وثمَرَاته، وإذا استنارَ القلبُ صحَّتِ الفِراسةُ، لأنَّه يصيرُ بمنزلة المِرْآة التي تظهرُ فيها المعلوماتُ كما هي، والنظرُ بمنزلة التنفُّس فيها، فإذا أطلق العبدُ نظرَه؛ تنَفَّسَتْ نفسُه الصُّعَداء في مِرْآة قلبه، فطَمَسَتْ نورَها، كما قيل:
(١) ش: «آية».
(٢) سبق تخريجه.
مِرْآةُ قلبِكَ لا تُريكَ صَلاحَهوالنَّفْسُ فيها دائِمًا تَتَنَفَّسُ
قال شجاع الكَرْماني١: مَنْ عَمَر ظاهرَه باتِّباع السُّنَّة، وباطنَه بدوام المُراقبة، وغضَّ بصرَه عن المحارم، وكفَّ نفسه عن الشَّهوات، وأكلَ من الحَلال؛ لم تُخطئ فِراستُه. وكان شجاع لا تُخطئ له فراسة. والله سبحانه يَجزي العبدَ على عملِهِ بما هو من جنسِه، فمَنْ غضَّ بَصَرَه عن المحارم؛ عوَّضه الله سبحانه إطلاقَ نورِ بَصِيرتِه، فلمَّا حبسَ بصرَه لله٢؛ أطلق الله له بَصِيرتَه، ومن أطلق بصرَه في المحارمِ؛ حبس الله عنه بَصِيرتَه.
الفائدة الرابعة: أنْ يفتحَ له طرقَ العلم وأبوابَه، ويُسهِّلَ٣ عليه أسبابَه، وذلك بسبب نور القلب، فإنَّه إذا استنارَ ظهرتْ فيه حقائقُ المعلوماتِ، وانكشفتْ له بسرعة، ونفَذَ من بعضها إلى بعض. ومن أرسلَ بصره٤ تكدَّر عليه قلبُه، وأظلمَ، وانسدَّ عليه بابُ العلم وطُرُقُه.
الفائدة الخامسة: أنَّه يُورث قُوَّة القلب، وثباتَه، وشجاعتَه، فيجعلُ الله سبحانَه له سلطانَ البصيرة مع سلطان الحجَّة. وفي الأثر: إنَّ الذي يُخالفُ
(١) بل شاه بن شجاع، وقوله هذا في «حلية الأولياء» (١٠/ ٢٣٧)، و«صفة الصفوة» (٤/ ٤٣).