روضة المحبين
مِرْآةُ قلبِكَ لا تُريكَ صَلاحَهوالنَّفْسُ فيها دائِمًا تَتَنَفَّسُ

قال شجاع الكَرْماني١: مَنْ عَمَر ظاهرَه باتِّباع السُّنَّة، وباطنَه بدوام المُراقبة، وغضَّ بصرَه عن المحارم، وكفَّ نفسه عن الشَّهوات، وأكلَ من الحَلال؛ لم تُخطئ فِراستُه. وكان شجاع لا تُخطئ له فراسة. والله سبحانه يَجزي العبدَ على عملِهِ بما هو من جنسِه، فمَنْ غضَّ بَصَرَه عن المحارم؛ عوَّضه الله سبحانه إطلاقَ نورِ بَصِيرتِه، فلمَّا حبسَ بصرَه لله٢؛ أطلق الله له بَصِيرتَه، ومن أطلق بصرَه في المحارمِ؛ حبس الله عنه بَصِيرتَه.

الفائدة الرابعة: أنْ يفتحَ له طرقَ العلم وأبوابَه، ويُسهِّلَ٣ عليه أسبابَه، وذلك بسبب نور القلب، فإنَّه إذا استنارَ ظهرتْ فيه حقائقُ المعلوماتِ، وانكشفتْ له بسرعة، ونفَذَ من بعضها إلى بعض. ومن أرسلَ بصره٤ تكدَّر عليه قلبُه، وأظلمَ، وانسدَّ عليه بابُ العلم وطُرُقُه.

الفائدة الخامسة: أنَّه يُورث قُوَّة القلب، وثباتَه، وشجاعتَه، فيجعلُ الله سبحانَه له سلطانَ البصيرة مع سلطان الحجَّة. وفي الأثر: إنَّ الذي يُخالفُ

  1. (١) بل شاه بن شجاع، وقوله هذا في «حلية الأولياء» (١٠/ ٢٣٧)، و«صفة الصفوة» (٤/ ٤٣).
  2. (٢) «لله» ساقطة من ت.
  3. (٣) ت: «وسهل».
  4. (٤) ش: «نظره».
161

هواه يفْرَقُ الشَّيطان من ظلِّه، ولهذا يُوجد في المتَّبع لهواه مِنْ ذلِّ القلب وضعفِه، ومهانةِ النَّفس وحقارتِها، ما جعله١ الله لمن آثر هواه على رضاه.

قال الحسن: إنَّهم وإن هَمْلَجَتْ بهم البغالُ، وطَقْطَقَتْ بهم البراذين؛ إنَّ ذلَّ المعصية لفي قلوبهم، أبى الله إلا أن يُذِلَّ مَنْ عصاه.

وقال بعض الشيوخ: الناسُ يطلبون العزَّ بأبواب٢ الملوك، ولا يجدونَه إلا في طاعة الله، ومَنْ أطاع الله؛ فقد والاه فيما أطاعه فيه، ومن عصاه [٤٠ أ] فقد عاداه فيما عَصاه فيه، وفيه قِسْطٌ ونصيبٌ من فعل من عاداه بمعاصيه، وفي دعاء القنوت: «إنه لا يَذِلُّ مَنْ واليتَ، ولا يَعِزُّ من عادَيْت»٣.

الفائدة السادسة: أنَّه يُورث القلبَ سرورًا، وفرحةً، وانشراحًا أعظمَ من اللذَّة والسُّرور الحاصل بالنظر، وذلك لقهره عدوَّه بمخالفته، ومخالفة نفسه وهواه، وأيضًا فإنَّه لما كفَّ لذَّتَه، وحبسَ شهوتَه لله، وفيها مسرّةُ نفسه الأمَّارة؛ أعاضَه الله سبحانه مسرَّةً، ولذَّةً أكمل منها، كما قال بعضهم: والله لَلَذَّةُ العفَّة أعظمُ من لذَّة الذنب! ولا ريبَ أنَّ النفسَ إذا

  1. (١) ش: «جعله».
  2. (٢) ت: «في أبواب».
  3. (٣) أخرجه أحمد (١/ ٢٠٠)، وأبو داود (١٤٢٥)، والترمذي (٤٦٤)، والنسائي (٣/ ٢٤٨)، وابن ماجه (١١٧٨) من حديث الحسن بن علي. وهو حديث صحيح.
162

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي