لمَّا كانت العين رائدًا، والقلب باغيًا وطالبًا، وهذه لها لذَّةُ الرؤية، وهذا له لذة الظفر؛ كانا في الهوى شريكَيْ عِنان. ولمَّا وقعا في العَنَاءِ، واشتركا في البلاء؛ أقبلَ كلٌّ منهما يلوم صاحبَه، ويعاتبه.
فقال القلب للعين: أنتِ التي سُقْتِني إلى موارد الهَلَكاتِ، وأوقعتني في الحَسَرات بمُتابعتِك اللَّحَظات، ونزَّهْت طرفَك في تلك الرياض، وطلبتِ الشِّفاء من الحَدَق المِراض، وخالفت قولَ أحكم الحاكمين: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[النور/٣٠] وقول رسوله٢ﷺ: «النَّظر إلى المَرْأَةِ سهْمٌ مسمُومٌ منْ سهام إبليس، فمنْ تركَه خَوْفَ اللهِ ﷿؛ أثابَهُ الله إيمانًا يجِدُ حلاوَتَهُ في قَلْبه». رواه الإمام أحمد٣: حدَّثنا هشيم، حدّثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن محارب بن دِثار، عن صِلة، عن حذيفة.
(١) ت: «لصاحبه».
(٢) ت: «النبي».
(٣) لم أجده في «مسنده». وسبق تخريج الحديث.
وقال عمر بن شَبَّة١: حدَّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدَّثنا عنبسة بن عبد الرحمن القرشيُّ، حدَّثنا أبو الحسن المدنيُّ، حدَّثنا عليُّ ابن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «نظَرُ الرَّجُلِ في محَاسِن المَرأة سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إبلِيسَ مَسْمُومٌ، فمَنْ أعْرَضَ عَنْ ذلك السَّهْمِ أعْقَبَهُ الله عبادَةً تَسُرُّه».
فَمَنِ الملومُ سوى من رمى صاحبَه بالسَّهم المسموم؟
أَوَ ما علمتِ أنَّه ليسَ شيءٌ أضَرَّ على الإنسان من العين واللسان؟ فما عَطِبَ أكثرُ من عطِبَ إلا بهما، وما هَلَكَ أكثرُ من هلكَ إلا بسببهما، فَلِلّهِ كم من موْرِد هلكةٍ أوردَاه، ومصدَر ردًى عنه أصدراه، فمن أحبَّ أن يحيا سعيدًا، ويعيش حميدًا؛ فليَغُضَّ من عِنان طَرْفه ولسانه؛ ليسلمَ من الضَّرر، فإنَّه كامنٌ في فضول الكلام، وفضول النظر.
وقد صرَّح الصَّادقُ المصدوقُ بأنَّ٢ العينين تزنيان، وهما أصلُ زنى الفرج٣، فإنَّهما له رائدان، وإليه داعيان.
وقد سُئل رسولُ الله ﷺ[٤١ ب] عن نظرة الفَجْأة، فأمر السائل أن
(١) أخرجه من طريقه الخرائطي في «اعتلال القلوب» (ص ١٤٣). وفي إسناده عنبسة ابن عبد الرحمن القرشي، وهو ضعيف.