وقال عمر بن شَبَّة١: حدَّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدَّثنا عنبسة بن عبد الرحمن القرشيُّ، حدَّثنا أبو الحسن المدنيُّ، حدَّثنا عليُّ ابن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «نظَرُ الرَّجُلِ في محَاسِن المَرأة سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إبلِيسَ مَسْمُومٌ، فمَنْ أعْرَضَ عَنْ ذلك السَّهْمِ أعْقَبَهُ الله عبادَةً تَسُرُّه».
فَمَنِ الملومُ سوى من رمى صاحبَه بالسَّهم المسموم؟
أَوَ ما علمتِ أنَّه ليسَ شيءٌ أضَرَّ على الإنسان من العين واللسان؟ فما عَطِبَ أكثرُ من عطِبَ إلا بهما، وما هَلَكَ أكثرُ من هلكَ إلا بسببهما، فَلِلّهِ كم من موْرِد هلكةٍ أوردَاه، ومصدَر ردًى عنه أصدراه، فمن أحبَّ أن يحيا سعيدًا، ويعيش حميدًا؛ فليَغُضَّ من عِنان طَرْفه ولسانه؛ ليسلمَ من الضَّرر، فإنَّه كامنٌ في فضول الكلام، وفضول النظر.
وقد صرَّح الصَّادقُ المصدوقُ بأنَّ٢ العينين تزنيان، وهما أصلُ زنى الفرج٣، فإنَّهما له رائدان، وإليه داعيان.
وقد سُئل رسولُ الله ﷺ[٤١ ب] عن نظرة الفَجْأة، فأمر السائل أن
(١) أخرجه من طريقه الخرائطي في «اعتلال القلوب» (ص ١٤٣). وفي إسناده عنبسة ابن عبد الرحمن القرشي، وهو ضعيف.
(٢) ت: «أن».
(٣) تقدم تخريجه.
يَصْرف بصره١، فأرشده إلى ما ينفعه، ويدفع عنه ضرره، وقال لابن عمِّه عليٍّ ﵁ محذِّرًا له ممَّا يوقع الفتنة، ويورث الحسرة: «لا تُتْبع النَّظْرَة النَّظْرَة»٢.
أوَ ما سمعتِ قول العقلاء: مَنْ سَرَّح ناظره؛ أتعبَ خاطره، ومن كثرت لَحظاتُه؛ دامت حَسَرَاتُه، وضاعت عليه أوقاتُه. وقال الناظم٣:
نظرُ العيونِ إلى العيونِ هو الَّذيجَعَلَ الهلاكَ إلى الفُؤادِ سَبيلا
ما زالتِ اللَّحَظاتُ تغزو قلبَهحتَّى تَشَحَّطَ بَينهنَّ قتيلا
وقال آخر٤:
تمَتَّعْتُما يا مُقْلَتيَّ بنظرةٍوَأَوْرَدْتُما قلبي أمَرَّ المَوَارد
فعينايَ كُفَّا عن فُؤادي فإنَّهمن الظُّلمِ سعيُ اثنينِ في قَتْلِ واحد
فصل
قالت العين: ظلمتَني أوَّلًا وآخرًا، وبُؤْتَ بإثمي باطنًا وظاهرًا، وما أنا إلا رسولُك الدَّاعي إليكَ، ورائدُك الدالُّ عليك٥:
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) لعله المؤلف، والبيتان بلا نسبة في «ديوان الصبابة» (ص ٩٠).