روضة المحبين

يَصْرف بصره١، فأرشده إلى ما ينفعه، ويدفع عنه ضرره، وقال لابن عمِّه عليٍّ ﵁ محذِّرًا له ممَّا يوقع الفتنة، ويورث الحسرة: «لا تُتْبع النَّظْرَة النَّظْرَة»٢.

أوَ ما سمعتِ قول العقلاء: مَنْ سَرَّح ناظره؛ أتعبَ خاطره، ومن كثرت لَحظاتُه؛ دامت حَسَرَاتُه، وضاعت عليه أوقاتُه. وقال الناظم٣:

نظرُ العيونِ إلى العيونِ هو الَّذيجَعَلَ الهلاكَ إلى الفُؤادِ سَبيلا
ما زالتِ اللَّحَظاتُ تغزو قلبَهحتَّى تَشَحَّطَ بَينهنَّ قتيلا

وقال آخر٤:

تمَتَّعْتُما يا مُقْلَتيَّ بنظرةٍوَأَوْرَدْتُما قلبي أمَرَّ المَوَارد
فعينايَ كُفَّا عن فُؤادي فإنَّهمن الظُّلمِ سعيُ اثنينِ في قَتْلِ واحد

فصل

قالت العين: ظلمتَني أوَّلًا وآخرًا، وبُؤْتَ بإثمي باطنًا وظاهرًا، وما أنا إلا رسولُك الدَّاعي إليكَ، ورائدُك الدالُّ عليك٥:

  1. (١) تقدم تخريجه.
  2. (٢) تقدم تخريجه.
  3. (٣) لعله المؤلف، والبيتان بلا نسبة في «ديوان الصبابة» (ص ٩٠).
  4. (٤) البيتان للأرجاني في «تزيين الأسواق» (٢/ ٢٣٩)، و«ديوان الصبابة» (ص ٨٩).
  5. (٥) البيت لابن سنان الخفاجي في «ديوانه» (ص ١٠٥) باختلاف الرواية.
169
وإذا بعثتَ برائدٍ نحوَ الذيتهْوى وتَعْتِبُه ظلمتَ الرَّائدَا

فأنت الملكُ المطاع، ونحن الجنودُ والأتباع، أركبتني في حاجتك خيلَ البريد، ثم أقبلتَ عليَّ بالتَّهديد والوعيد. فلو أمرتني أن أُغلقَ عليَّ بابي، وأُرخيَ عليَّ حجابي؛ لسمعتُ، وأطعتُ، ولَمَا رَعَيْت في الحِمى ورتعت؛ أرسلتني لصيدٍ قد نُصِبَت لك حبائلُه، وأشراكُه، واستدارت حولَك فِخَاخُه، وشبَاكُه، فغدوتَ أسيرًا بعد أن كنتَ أميرًا، وأصبحت مملوكًا بعدأن كنت مليكًا.

هذا، وقد حكم لي عليك سَيِّدُ الأنام، وأعدلُ الحكَّام ــ ﵊ ــ حيث يقول: «إنَّ في الجَسدِ مُضْغَةً إذا صلحَتْ؛ صلُحَ لها سائِرُ الجَسَدِ، وإذا فَسَدتْ؛ فسَدَ لها سَائِرُ الجَسَدِ، ألا وهِي القلبُ»١.

وقال أبو هريرة ﵁: القلبُ مَلِكٌ، والأعضاءُ جنودُه، فإن طابَ الملِكُ؛ طابتْ جنوده، وإن٢ خبُثَ الملك؛ خبثتْ جنودُه.

ولو أنعمتَ النظرَ لعلمتَ أنَّ فسادَ رعيتك بفسادِك، وبقاءَها٣ وصلاحَها ورشدَها برشادِك، ولكنَّكَ هلكتَ، وأهلكتَ رعيَّتك، [٤٢ أ] وحمَلت على العين الضَّعيفة خطيئتك، وأصلُ بليَّتِكَ أنَّه قد خلا منك

  1. (١) أخرجه البخاري (٥٢، ٢٠٥١)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير.
  2. (٢) ش: «وإذا».
  3. (٣) «وبقاءها» ساقطة من ش.
170

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي