أمَّا الكتاب فقولُه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾[الأعراف/١٨٥] وهذا يعُمُّ جميع ما خلق الله، فما الَّذي أخرج من عمومه الوجه المليح، وهو من أحسن ما خلق؟ وموضع الاستدلال به١ والاعتبار أقوى، ولذلك يُسَبَّحُ الخالقُ سبحانه عند رؤيته، كما قال بعضُ الناظرين إلى جميل الصُّورة:
ذي طلعةٍ سبحانَ فالِق صُبْحِهومَعَاطِفٍ جلَّت يمينُ الغارس
مرَّت بأرجاءِ الخَيالِ طُيوفُهفَبَكتْ على رَسمِ السُّلُوِّ الدَّارس
ورؤية الجمال البديع تُنْطِق ألْسنة الناظرين بقولهم: سبحان الله ربِّ العالمين! وتباركَ الله أحسنُ الخالقين! والله تعالى لم يخلق هذه المحاسن عبثًا، وإنَّما أظهرها؛ ليستدل [٤٣ ب] الناظرُ إليها على قدرته
(١) «به» ساقطة من ت.
ووحدانيته وبديع صُنْعِه، فلا تُعَطَّلُ عما خُلقت له.
وأما السُّنَّة فالحديثُ المشهور: «النَّظرُ إلى الوجهِ المليح١ عبادةٌ»٢.
وفي الحديث الآخر: «اطْلُبُوا الخير من حسانِ الوجوه»٣. وفي هذا إرشادٌ إلى تصفُّح الوجوه، وتأمُّلها. وخطب رجلٌ امرأةً، فاستشار النَّبيَّ ﷺ في نكاحها، فقال: «هل نظرت إليها؟» فقال: لا، قال: «اذهب فانظر إليها»٤. ولو كان النَّظرُ حرامًا؛ لما أطلق له أن ينظر، فإنه لا يأمن الفتنة.
(١) ت: «الجميل».
(٢) باطل، ذكره ابن القيم في «المنار المنيف» (ص ٦٢، ٩٩) وقال: لا يُشبه الوحي، بل لا يُشبه كلام الصحابة. وسيأتي الكلام عليه في الباب التاسع.
(٣) أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (٤٧٥٩)، والخرائطي في «اعتلال القلوب» (ص ١٦٤) من حديث عائشة، وإسناده ضعيف جدًّا. والحديث طرقه كلها ضعيفة، وبعضها أشد في ذلك من بعض، كما في «المقاصد الحسنة» (ص ٨١). وقال المؤلف في «المنار المنيف» (ص ٦٣): كل حديث فيه ذكر حسان الوجوه أو الثناء عليهم أو الأمر بالنظر إليهم أو التماس الحوائج منهم أو أن النار لا تمسُّهم فكذب مختلق، وإفك مفترى. وحكم الألباني عليه بالوضع في السلسلة الضعيفة (٢٨٥٥، ١٥٨٥) وجمع طرقه وتوسع في الكلام عليها.