القدرة، فإنْ زادَ به الحال إلى المقام الأوسط؛ فلا بأْس بإعلام محبوبه بمحبَّته١ إيَّاه، فيخفَّ بإعلامه وشكواه إليه ما يجدُ منه، ويحذر من اطلاع الناس على ذلك، فإنْ زادَ به الأمرُ حتى خرجَ عن الحدود والضَّوابط التحقَ بالمجانين والموسوسين.
فانقسمَ العشَّاقُ قسمين: قسمٌ قَنِعُوا بالنظرة بعد النَّظرة، فمنهم من يموتُ وهو كذلك، ولا يُظْهِرُ سِرَّه [٤٦ أ] لأحدٍ، حتى محبوبُه لا يدري به.
وقد روي عن النبي ﷺ: «من عَشِقَ، فَعَفَّ، فكتمَ، فماتَ؛ فَهُوَ شَهِيدٌ»٢.
والقسمُ الثاني: أباحُوا لمن وصلَ إلى حدٍّ يُخاف على نفسه منه القُبْلَة في الحين، قالوا: لأنَّ تركها قد يُؤدِّي إلى هلاك النفس، والقُبلةُ صغيرةٌ وهلاكُ النفس كبيرةٌ.
وإذا وقعَ الإنسان في مَرَضين داوَى الأخطرَ، ولا خطرَ أعظمُ منْ
(١) ت: «تعشقه».
(٢) أخرجه ابن حبان في «المجروحين» (١/ ٣٤٩)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٥/ ١٥٦، ٢٦٢)، وابن عدي في «الكامل» (٣/ ١٢٦٣) من طرق عن سويد بن سعيد الحدثاني عن علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس. واتفق الأئمة على تضعيف هذا الحديث، وسيأتي كلام المؤلف عليه.
قتل النفس، حتَّى أوجبوا على المحبوب مطاوعته على ذلك؛ إذا علمَ أنَّ تركَ ذلك يؤدِّي إلى هلاكه، واحتجُّوا بقول الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾[النساء/٣١] وبقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾[النجم/٣٢] وبحديث الذي قال: يا رسول الله! إني لقيتُ امرأةً أجنبيةً، فأصبت منها كلَّ شيءٍ إلَاّ النكاح. قال: «أصَلَّيت معنا؟» قال: نعم، قال: «إن الله قد غفر لك»١ فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾[هود/١١٤].
ثم قال٢: فإنْ كان هذا السَّائلُ كما زعمَ مِمَّن لا يُدنِّسُ عِشْقَه بزِنى، ولا يَصْحبُه بِخَنَا٣، فَيُنْظَرُ في حاله، فإنْ كان من الطبقة الأولى؛ فالنظر كافٍ لهم؛ إن صدقت دعواهم. وإن كان من الطبقة الثانية فلا بأْس بشكواه إلى محبوبه؛ كي يَرِقَّ عليه ويرحَمَه، وإن غلبَ عليه الحال، فالتحقَ بالثالثة، أُبيح له ما ذكرنا بشرط ألَاّ يكون أُنْمُوذَجًا لفعل القبيح المحرَّم، فيلتحقَ بالكبائر ويستحق٤ القتل عند ذلك، ويزولَ عنه
(١) أخرجه البخاري (٥٢٦، ٤٦٨٧)، ومسلم (٢٧٦٣) من حديث ابن مسعود.