روضة المحبين

العُذر، ويحقَّ عليه كلمةُ العذاب. انتهى ما ذكرناه من جوابه.

قالوا: وقد جوَّزت١ طائفةٌ من فقهاء السَّلف والخلف استمناءَ الإنسان بيده إذا خافَ الزنى، وقد جوَّز طائفةٌ من الفقهاء لمن خاف على نفسه في الصَّوم الواجب من شدَّة الشَّبَق أن تتشقَّق أُنْثَيَاه أن يجامع امرأته، وبَنَوْا على ذلك فرعًا: وهو إذا كان له امرأتان حائضٌ وصائمة؛ فهل يطأُ هذه أو هذه علَى وجهين. ولا ريبَ أنَّ النظرَ والقبلة والضمَّ إذا تضمَّن شفاءَه مِنْ دائه؛ كان أسهلَ من الاستمناء باليد، والوطء في نهارِ رمضان.

وقد جَوَّزَ بعضُ الفقهاء للمرأة إذا خافت الزنى أن تتَّخذ لها شيئًا تُدخله في فرجها، وتُخرجه؛ لئلا تقعَ في محظور الزنى.

ولا ريبَ أنَّ الشَّريعةَ جاءت بالتزام٢ الدُّخول في أدنى المفسدتين؛ دفعًا لأعلاهما، وتفويت أدنى المصلحتين؛ تحصيلًا لأعلاهما، فأينَ مفسدةُ النَّظرِ، والقبلةِ، والضمِّ من مفسدة المرض، والجنون، أو الهلاك جملةً؟! فهذا ما احتجَّت به هذه الفرقة، ونحن نذكر ما لها وما عليها في ذلك بحول الله وقوَّته.

  1. (١) ت: «جوزوا».
  2. (٢) ت: «بإلزام».
189

الباب التاسع

في الجواب عمَّا احتجَّت به هذه الطَّائفة،

وما لها وما عليها في هذا الاحتجاج

وشُبَهُهُمُ التي ذكروها دائرةٌ بين ثلاثة أقسام:

أحدها: نُقولٌ صحيحةٌ لا حجَّة لهم فيها.

الثاني: نُقولٌ كاذبةٌ عمَّن نُسبت إليه من وضع الفُسَّاق، والفُجَّار، كما سنبيِّنُه.

الثالثُ: نُقولٌ مُجْمَلةٌ، محتملةٌ لخلاف ما ذهبوا إليه.

فأمَّا احتجاجُهم بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف/١٨٥] فهو نَظيرُ احتجاجهم بعينه على إباحة السَّماع الشَّيطانيِّ الفِسْقيِّ بقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ١٧ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر/١٧ ــ ١٨]، قالوا: والقولُ عامٌّ، فحمَّلوا لفظَه ومعناه ما هو بريءٌ منه.

وإنَّما القولُ ها هنا ما أمرَهم الله باستماعه، وهو وَحْيُهُ الذي أنزلَه علَى رسوله، وهو الذي قال فيه: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون/٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ [القصص/٥١].

فهذا هو القول الذي أُمروا باتِّباع أحسنِه، كما قال: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ

190

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي