وَمِنْ هؤلاء الزنادقة مَنْ يخصُّ ذلك ببعض الصُّوَر، فهؤلاء من جنس النَّصارى بل هم إخوانُهم، فالنَّظرُ عند هؤلاءِ إلى الصُّور المحرَّمة عبادةٌ، ويشبه أن يكون هذا الحديثُ من وَضْعِ بعضِ هؤلاء الزَّنادقةِ، أو مُجَّانِ الفُسَّاق، وإلَاّ فرسولُ الله ﷺ بريءٌ منه.
وسُئل شيخُنا١ عَمَّنْ يقول: النظر إلى الوجه الحسن عبادةٌ، ويروي ذلك عن النَّبيِّ ﷺ، فهل ذلك صحيحٌ أم لا؟ فأجابَ بأن قال: هذا كذبٌ باطلٌ، ومن روى ذلك عن النَّبيِّ ﷺ أو ما يُشبهه؛ فقد كذبَ عليه ﷺ، فإنَّ هذا لم يَرْوِه أحدٌ من أهل الحديث، لا بإسنادٍ صحيح، ولا ضعيفٍ، بل هو من الموضوعات، وهو مخالفٌ لإجماع المسلمين، فإنَّه لم يقل أحدٌ: إنَّ النظر إلى المرأة الأجنبية والصَّبيِّ الأمردِ عبادةٌ.
ومن زعمَ ذلك فإنَّه يُستتاب، فإن تابَ وإلا قُتل، فإنَّ النظرَ منه ما هو حرامٌ، ومنه ما هو مكروهٌ، ومنه ما هو مباحٌ، والله أعلم.
وأمَّا الحديث الآخر، وهو: «اطْلُبُوا الخَيْرَ منْ حِسَانِ الْوُجوه» فهذا وإن كان قد رُوي بإسنادٍ، إلا أنَّه باطلٌ، لم يصحَّ عن رسول الله ﷺ.
(١) السؤال في «المجموع» (١٥/ ٤١٠)، ولكن لم يرد الجواب عنه في كلام شيخ الإسلام، فلعل فيه نقصًا. وقد تكرر ورود هذه الفتوى في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٤٣ - ٢٥٩) دون الجواب عن هذا السؤال.
ولو صحَّ لم يكن فيه حُجَّةٌ لهذه الطائفة، فإنَّه إنَّما أمرَ بطلب الخير منهم لا بطلب وِصَالهم، ونيل المحرَّم منهم، فإنّ١ الوجه الجميل مَظِنَّةُ الفِعْل الجميل، فإنَّ الأخلاقَ في الغالب مناسبةٌ للخِلْقة، بينهما نسبٌ قريب.
وأمَّا أمرُ النَّبيِّ ﷺ للخاطب بأن ينظر إلى المخطوبة؛ فذلك نظرٌ للحاجة، وهو مأمورٌ به أمْرَ استحبابٍ [٤٨ أ] عند الجمهور، وأمْرَ إيجاب عند بعض أهل الظَّاهر، وهو من النَّظر المأْذون فيه لمصلحةٍ راجحةٍ، وهو دخولُ الزَّوج على بصيرةٍ، وأبعدُ من ندمه ونُفْرَته عن المرأة، فالنَّظرُ المباحُ أنواعٌ، هذا أحدُها، بخلاف النظر إلى الصُّورة المحرَّمة.
فصل
وأما ما ذكره السمعانيُّ عن الشَّافعي رحمه الله تعالى فَمِن تحريف النَّاقل، والسَّائلُ لم يذكر لفظ الشَّافعيِّ، والبيتان هكذا هما٢:
سألتُ الفتى المكيَّ هل في تزاوُرٍونظرةِ مُشتاقِ الفؤاد جُناحُ؟
فقالَ مَعاذَ اللهِ أن يُذهبَ التُّقىتلاصُقُ أكبادٍ بهنَّ جراحُ
فهذا السَّائل هو الذي ذكر السؤَال والجواب، وهو مجهولٌ لا يُعْرَف؛